لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ
. وفي قوله : « ويشتهون ، وتعملون ، والمحسنين والمكذبين » جناس غير تام ، وسجع مرصّع تتوافق به الفواصل . وقوله : « كلوا وتمتعوا قليلا » تقابل « كلوا واشربوا هنيئا » ، والأولى تقال على سبيل التوبيخ والتقريع ، فاستحقوا أن يقال لهم « مجرمون » ، والثانية على سبيل التكريم والأنس . والسؤال : فما كان دليل جرم الأولين ؟ والجواب : لم يكونوا يركعون ، وهو مجاز مرسل أراد بالركوع الصلاة ، فأطلق البعض على الكل . قيل نزلت هذه الآية في ثقيف لمّا امتنعوا عن الصلاة وقالوا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : حطّ عنا الصلاة فإنّا لا ننحنى ! إنها مسبّة علينا ! فأبى ، وقال : « لا خير في دين لا صلاة فيه » . وهذا هو الكلام الذي ليس بعده كلام ، تنزّل به القرآن ، فإن كذّبوا به مع كل ما اتصف من بيان ووضوح ، وحجج بالغة ، وبراهين دامغة :
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
( 50 ) ! ! فالحمد للّه الذي رزقنا القرآن وهدانا إلى الإسلام ، له كل الحمد والمنة !
* * *
660 . سورة النبأ
هذه السورة يبدأ بها الجزء الثلاثون من المصحف ، وهو المعروف بجزء عمّ ، وتسمى سورة عمّ حيث تبدأ بلفظ الاستفهام « عمّ » ، واسمها كذلك سورة النبأ ، لأن مدارها « النبأ العظيم » الذي هو يوم القيامة والبعث والنشور ، وصفه اللّه تعالى بالعظمة لأنه نبأ خطير ، اختلف أهل مكة من المشركين لما جاءهم ، فكانوا بين مصدّق ومكذّب ، وجاء وصفه بالعظمة لأنه يوم الفصل ، ويوم الميقات المقدور ليحشر الخلق فيه إلى ربّهم ، فيفصل بينهم ، ويقضى بين الحق والباطل . والسورة مكية ، وتتناول لذلك مسائل العقيدة ، إلا أن محوّرها هو هذا النبأ المشكل والمحيّر لهم ، أي البعث . وتحفل آيات السورة الأربعون بمشاهد من الآخرة ، ودلائل على البعث ، وبيان عمّا ينتظر المكذّبين والمتقين من عذاب أو نعيم .
وترتيب السورة في المصحف الثامنة والسبعون ، وفي النزول الثمانون ، وتأتى بعد سورة المعارج . وعمّ - التي تبدأ بها - لفظ استفهام ، ولذلك سقط منها ألف « ما » ، ليتميز الخبر عن الاستفهام ، وأصلها « عن ما » فأدغمت الميم في النون لمشاركتها في الغنّة ، وكل ذلك لتفخيم الاستفهام ، فهو ليس استفهاما عاديا ، لكنه استفهام عن شئ كبير وحدث ضخم ، وهو البعث كما سبق . والجواب على الاستفهام بعبارة :
كَلَّا سَيَعْلَمُونَ
( 4 ) ، وفيه ردع وزجر ، ويكرر هذا الردع تأكيدا للوعيد وتكريرا للتهويل ، ثم يبدأ في سرد الأدلة على « قدرة اللّه تعالى » التي لا يمكن أن يمارى فيها إلا مكابر ، وتستحضر السورة أحد عشر دليلا على هذه القدرة ، فالأرض التي نسكنها لم يمهدها ويبسطها للسكنى إلا اللّه ، وهو الذي