تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 750

مساهمون:

ص٧٥٠
من الغيب ، والناس تطاوعهم فيما يروون ، وتصدّقهم ، لعل حياتهم تتيسّر بما نبّئوا به ، فلا ينالهم منه إلا الرّهق . وحارت الجن فيما صارت إليه السماء من الحرس الشديد والشّهب ، فانتشروا يتلمسون السبب ، ووجدوه في ظهور هذا النبىّ الجديد الذي يبشّر بالحقّ من ربّه ، فعرفوا أن عملهم إلى تبار ، ونفوذهم على الناس إلى الزوال ، وكان محمد صلى اللّه عليه وسلم الذي يستمعون إليه يتلو القرآن العجب ويصلّى بالمسلمين ، والأرض لهم مسجد ، وما كان يدعو إلا اللّه ، وله وحده يسجد المسلمون ، والمساجد بيوت اللّه ، ولا ذكر فيها لغيره تعالى . وقوله :
وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً
( 19 ) الإشارة إلى النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وهو عبد للّه كما أن كل الرسل عباد له تعالى ، وكل المؤمنين من عباده ، وقيل إن « عبد اللّه » من أسماء النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وفي الآية فإن عبد اللّه داعية للّه ، والشأن مع الدعاة أن يجتمع الناس عليهم ، ويزدحموا يحرصون على الاستماع لهم ، ومحمد صلى اللّه عليه وسلم ، والمسلمون من بعده ، دعاة إلى اللّه ، ودعوتهم ليست إلا له تعالى ، وهو الواحد الأحد ، لا يشركون به ، وما كان محمد في اعتقاده واعتقاد المؤمنين باللّه ، إلا بشرا رسولا ، لا يملك للناس ضرّا ولا رشدا ، ولمّا قيل له : اترك ما تدعو إليه ونحن نجيرك ، قال :
إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً
( 22 ) أي ملتجأ ألجأ إليه ، ونصيرا ووليا ، وحرزا ، ومذهبا ، ومسلكا ، وما كان له أن يتقوّل على اللّه من نفسه ، فما أمر إلا أن يبلّغ ما يوحى إليه ، ولو عصى اللّه لكانت النار مأواه ، وكيف يعصاه والملائكة من بين يديه ومن خلفه ترصد ما يقول وتسجله عليه ؟ واللّه يحيط بما لديه ولديهم ، ويحصيه عددا ، إن قولا أو فعلا ؟ ولو تقوّل عليه بعض الأقاويل لأخذ منه بالوتين ! وما كان محمد صلى اللّه عليه وسلم يعلم عن الساعة ما يلحّون أن يعرفوه عن ميقاتها ، فاللّه وحده هو عالم الغيب ، ولا يدرى أقريب موعدها أم بعيد ، لأنها غيب ، وهو تعالى لا يطلع رسله على الغيب إلا بما يخدم رسالاتهم ويثبت لهم الدعوة ، ويظهر لهم المعجزات يصدّقهم بها الناس ، ومن ذلك قول عيسى لقومه :
وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ
( آل عمران 49 ) ، وقول يوسف :
لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي
( يوسف 37 ) ، قيل ذلك هو العلم اللّدنّى ، أي من لدن اللّه . وربما كان المراد بقوله تعالى :
لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ
( 28 ) أن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قد تحصّل له العلم بأن الرسل قبله قد أبلغت عن اللّه ، أو ليعلم أهل الشرك أن الأنبياء قد أبلغوا رسالات ربّهم ، أو ليعلم اللّه تعالى أن الرسل قد أبلغوها ، كقوله في آيات أخرى :
وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ
( 11 ) ( العنكبوت ) ، وهذا التفسير الأخير ، بجعله الضمير يعود إلى اللّه تعالى ،