ومن صور البيان في هذه السورة العظيمة : الطباق كما في قوله : « أعلنت لهم وأسررت » ، و « جهارا وإسرارا » ، و « ليلا ونهارا » ، و « يعيدكم ويخرجكم » ؛ والمجاز في مثل قوله :
جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ
؛ والاستعارة في مثل قوله :
أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً
؛ وذكر المصدر للتأكيد :
وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً
و
أَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً
، وهو إطناب أيضا ، ومن باب الإطناب : ذكر الخاص بعد العام ، كما في قوله :
لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً
، وعكسه ذكر العام بعد الخاص ، كما في قوله :
رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ
. ومن صور البيان أيضا السجع المرصّع لرءوس الآيات كما في قوله :
« مِدْراراً
، و
أَنْهاراً
، و
وَقاراً
، و
أَطْواراً »
.
وقيل : إن الآية :
مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً
فيها الدليل على عذاب القبر ، فبرغم أنه لم يرد به نصّ صريح في القرآن ، إلا أنه مصرح به في هذه الآية في قوله :
فَأُدْخِلُوا ناراً
، فلمّا كانت القيامة لم تقم ، وعذاب الآخرة لم يحن ، فإن إدخالهم النار لا يعنى إلا عذاب القبر ، وينفى هذا الرأي أن عذاب القبر وقتي ، وإدخالهم النار أبدى ، ولا يكون إلا في الآخرة ، وقيل : قد يجوز الإدخال إلى النار في الدنيا كما في الآية عن قوم فرعون :
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا
( غافر 46 ) ، غير أن هذا العذاب لقوم فرعون ليس عذاب قبر ، وإنما هو عذاب أكبر وأشمل وأطول ، ولذا فهو عذاب آخرة .
ومع ذلك فتفسير الآية بخلاف كل ذلك ، ولا يعنى إلا أن قوم نوح عذّبوا بالنار مع الغرق ، فالمطر الشديد الذي أغرقهم كان معه برق ورعد تندلع بهما الحرائق ، ويشتعل الماء ، كما في قوله تعالى :
وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ
( 6 ) ( الطور ) ، أي الذي يوقد ماؤه وذلك يكون يوم القيامة ، كقوله تعالى :
وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ
( 6 ) ( التكوير ) أي أضرمت فتصير نارا تتأجج وتحيط بأهل الموقف ، فبمثل ذلك كان عذاب قوم نوح بالنقيضين : الماء والنار ، واللّه أعلم ، وهو على كل شئ قدير وهو سبحانه الموفّق للصواب .
* * *
654 . سورة الجن
السورة مكّية ، وترتيبها في المصحف الثانية والسبعون ، وبحسب النزول هي الأربعون بعد الأعراف ، وككل السور المكية فإن سورة الجن تتناول مسائل من العقيدة ، وتروى حكاية عن الجن استمعوا للقرآن يتلوه النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، فعجبوا له ، وما فيه من حكمة ، وما اتّسم به من نظم وحبكة . وكان سبب إنصاتهم للقرآن أنهم قبل ذلك كانوا يتنصّتون على السماء ، يخطفون ما يصادف سمعهم من أنبائها فيزيدون عليه ، ويروونه للناس كحقائق