تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 748

مساهمون:

ص٧٤٨
لهم الجنات والبساتين والأنهار ، ومن فقه ذلك : أن الاستغفار يستنزل به الرزق والأمطار . ويلجأ نوح في منهج الدعوة إلى المنطق والحوار ، ويستخدم الحجة والبرهان ، ويسوق الأدلة على وجود اللّه ، ووحدانيته وقدرته ، ومن ذلك خلقه للناس أطوارا ، يعنى نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة ، إلى تمام الخلق ؛ وخلقه كل شئ أطوارا : فالحضارات والمدنيات دول وأدوار ، وحتى التعلم والفهم والوعي على مراحل ، والأطوار قانون الوجود كله ، وهي فطرة اللّه في خلقه وسنّته التي لا مبدّل لها . وحتى السماوات والأرض كانت أطوارا طباقا . وذلك من دلائل قدرته ووحدانيته . ومن ذلك خلقه للشمس والقمر . وقوله :
وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ
، قال المستشرقون : إن القرآن أخطأ حيث جعل الشمس والقمر لكل السماوات والأرض ، وهما للسماء الدنيا وحدها ، ولأماكن من الأرض دون أماكن ؟ ! والخطأ هو خطأ المستشرقين ، أو أنه بالأحرى مغالطة منهم وفساد في الاستنتاج ، لأنه في اللغة العربية قد يقال : إن القمر جعله تعالى في السماوات نورا ، والمقصود في إحدى السماوات وليس كل السماوات ، كقول القائل : أعطني الثياب وهو يقصد الجلباب فقط دون كل الثياب . وفي السورة من دلائل قدرته تعالى : إنباته للناس من الأرض ثم يعيدهم فيها ، ومعنى إنباتهم أنه ينمّيهم فيكبرون بعد الصغر ، ويطولون بعد القصر ، ومن كان يستطيع ذلك فبوسعه أن يميتهم ثم يعيدهم بعد موتهم ، أي يبعثهم . ولم يقتنع قوم نوح وعصوه ، واستمعوا للأغنياء منهم ، أصحاب المال والبنين ، وعبدوا آلهتهم : ودّ ، وسواع ، ويغوث ، ويعوق ، ونسرا ، ووضعوا لها التماثيل والصور ، ومكروا المكر الكبّار ، أي الشديد ، و « المكر الكبّار » من المصطلحات القرآنية ، وكانت هذه الأسماء للآلهة من قبل نوح ، لأناس من واقع الحياة اشتهروا بالأذى بما جعل الناس تخشاهم ، صلى اللّه عليه وسلم لأن الأغنياء كان من صالحهم أن يستذلوا الناس بهم ، ويستنزفوا دخولهم لصالحهم ، وقد نبّههم نوح إلى هذا ، وتوجه إلى الفقراء يحذرهم وينذرهم ، والفقراء تابعون دائما ، وما لم يتقدمهم الأغنياء ينكصون أن يخاطروا بالتسليم لنوح ، فدعا عليهم جميعا :
رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ( 26 ) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً
( 27 ) ، وينبّه إلى الوراثة الروحية ، فالكافر يلد الكفّار مثله ، وهو الفاجر الفاسق . وكان لا بد أن يستغفر لنفسه بعد أن دعا على قومه ، فقال دعاءه الخالد :
رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً
( 28 ) ، والبيت هو المسجد الذي ابتناه لعبادة اللّه ، وقوله :
لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ
يعم الأحياء منهم والأموات ، فاستحب هذا الدعاء اقتداء بنوح ، وختمه بالدعاء الذي يردده كل المظلومين :
وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً
والتبار هو الهلاك والخسار في الدنيا والآخرة .