عوارض نفسية كالخوف وغيره ، فإنه لمّا نزلت هاتان السورتان : المزمل والمدثر ، كان قد تزمّل أو تدثّر عن تبليغ الرسالة ، يعنى كان قد فتر عن التبليغ ، ولم تكن المزمل أو المدّثر من أسمائه صلى اللّه عليه وسلم كما قال البعض ، ولا يصحّان اسمين له ، وإنما هما اسمان مشتقان من حالته التي كان عليها حين الخطاب . ومن دأب العرب أن تسمى الناس عند مخاطباتهم - إذا أرادوا ملاطفتهم - بأسماء مشتقة من أحوالهم ، والاسمان المزمل والمدثر هما للتأنيس والملاطفة ، والرسول صلى اللّه عليه وسلم فعل ذلك مع علىّ ، فناداه : « يا أبا تراب » ، ونادى حذيفة : « يا نومان » فأشعرهما أنه غير معاتب لهما . على أن السورتين كسورتين من السور أو الآيات التي تخاطب الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، يقصد بهما كل مسلم ، وخاصة بعد وفاته صلى اللّه عليه وسلم ، فأمّة الإسلام أمة شاهدة ومكلّفة بالتبليغ ، وهي أمة بلاغ ، والمسلم إنسان رسالى ، أي صاحب رسالة هي الإسلام ، وكل مسلم بما أنه كذلك فهو مكلّف بما كلّف به النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وإن ذكرت له صلى اللّه عليه وسلم صفة ، أو وصفت له طريقة ، فإنّ المعنىّ بها الآن - بعد وفاة النبىّ صلى اللّه عليه وسلم هو المسلم أو المسلمة ، والمزمل والمدثر مخاطب بها كل مسلم ، وتأمرانه بأن لا يفتر عن التبليغ فكل مسلم ( وكل مسلمة ) هو خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو المؤتمن على رسالته .
والسورة على ذلك تعهد إلى المسلمين أن يبلّغوا القرآن للناس ، وقبل ذلك أن يستعدوا بدنيا وروحيا ، ومن ذلك إحياء الليل في العبادة ، كما في قيام شهر رمضان ، نصفه - أي نصف الليل ، أو أقل من النصف ، أو زيادة عليه ، ومن فقه ذلك أن صلاة الليل أو آخر الليل مستحبة على أوله . وقوله :
إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا
أي ساعاته وأوقاته ، وكل ساعة منه ناشئة ، وأشد وطأة ، وأقوم قيلا ، يعنى أجمع للخاطر من قيام النهار ، لأن النهار وقت السبح الطويل ، أي السعي طلبا للقمة العيش وسدّ الحوائج . وقالوا إنّ حكم الآية :
قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا
نسخه حكم الآية :
فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ
، وكانوا في أول عهدهم بالإسلام يقومون الليل لا أقل من ثلثه ، ولا أكثر من ثلثيه ، حتى ورمت أقدامهم وسوقهم ، فنسخ القيام الطويل هذا بقوله :
فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ
مثل قوله :
وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ
( الإسراء 79 ) ، وبذلك تكون آخر السورة قد نسخت أولها ، ولا نرى أن في ذلك نسخا ، لأن آية
قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا
خاصة بصلاة الليل ، وأما آية
فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ
فخاصة بقراءة القرآن وحده دون أن يكون ضمن صلاة . وفي السورة :
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ
( 20 ) أي أن هذه الصلاة ، كان يقوم بها النبىّ صلى اللّه عليه وسلم وطائفة من المؤمنين ، يعنى أنها من النوافل يأتيها البعض دون الآخرين ، وهو المعنى في الآية :
وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً
( الإسراء