نظرية الإسلام في التولّى والاستبدال ، وهو أن يذهب اللّه تعالى ريح المكذّبين من الأمم ، ويأتي بأمة تطيعه ولا تعصيه . والسورة فيها الكثير مما يشدّ القارئ أو السامع ، سواء في أسلوبها أو حكمها ، وإحالات عباراتها وألفاظها إلى مختلف العلوم والفنون . وللّه الحمد والمنّة ، نحمده تعالى أن جعل القرآن كتابنا ، وجعل محمّدا صلى اللّه عليه وسلم رسولنا ، وجعل الإسلام ديننا وملّتنا ومذهبنا في الحياة وبعد الممات .
* * *
653 . سورة نوح
السورة مكية ، يعنى تتعلق بالعقيدة ، ويأتي ترتيبها في المصحف وفي التنزيل الواحدة والسبعون ، وآياتها ثمان وعشرون آية ، وكان نزولها بعد النحل ، وسميت بسورة نوح لأن مدارها النبىّ نوح ، وما كان من أمره مع قومه المكذّبين له ، وقصته من بداية الدعوة إلى أن أخذهم اللّه بالطوفان فأغرقهم بخطاياهم ، وعذّبهم في النار بكفرهم . وفي السورة : أن نوحا من المرسلين والمنذرين ، قيل هو أول رسول منذر ، وأحد أولى العزم الخمسة : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد . وعاش في قومه عمرا مديدا ، ويطلق عليه لذلك شيخ الأنبياء ؛ ومدار رسالته : الإيمان باللّه وتقواه ، وأن يقرّوا به نبيا مرسلا ، ويطيعوه فيما يأمرهم به أو ينهاهم عنه عن ربّه ، وأن يصدّقوه فيما يعدهم به لو عبدوا اللّه حقّ عبادته ، فسيغفر لهم ربّهم ويمنع عنهم العذاب ، ويكلؤهم بعنايته ، ويبارك لهم في أعمارهم ويؤخّر آجالهم . ويفسر البعض قوله :
وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
( 4 ) أي لا يعجّل عذابهم ، غير أن المعنى المستفاد من طول حياة نوح وبنيه ، أن تأخيره تعالى لآجالهم هو أن يطيل أعمارهم إذا اتّقوا اللّه ، فالتقوى والصالحات تطيل العمر ، والدعاء بطول العمر إذن جائز ، وقد طال عمر نوح وبنيه فعلا ، فعاش نوح 950 سنة ، و « سام » ابنه قيل : عاش 602 سنة ، وكذلك بقية أبنائه ونسائهم وأحفاده جميعا ، فلما آمنوا وأطاعوا نسئ في أعمارهم .
وفي قوله :
إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ
أضاف الأجل إليه سبحانه ، فهو الذي يثبت ويمحو ، ويطيل العمر ويقصّره . وفي السورة أن الأنبياء يستنفدون كل طرق الإقناع في الدعوة إلى اللّه ، ولقد دعاهم نوح ليلا ونهارا ، وكلما دعاهم أصرّوا واستكبروا ، ودعاهم جهارا وأظهر دعوته لهم وأعلنها ، وأسرّها ، أي أتاهم في منازلهم يحادثهم سرّا ، متلطفا ومبالغا في الإصرار على دعوتهم . ولمّا كانوا قد عانوا الجفاف ، وماتت زروعهم فقلّت أموالهم ونفقت حيواناتهم ، وتهددت المجاعة أولادهم ، وعدهم نوح لو آمنوا أن يرسل ربّه عليهم المطر ، لتنمو الزروع ويأكل الحيوان ، ويكثر المال ، فيكون بوسعهم أن يتزوجوا وينسلوا ، وتكون