اللّه تعالى للمسلمين أن يكونوا في مواجهة أعدائهم صفا واحدا كالبنيان :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ
( 4 ) يستحيل عليه اختراق تماسك جماعتهم ، والترويج لإشاعة الفرقة بينهم ، وضرب جبهتهم الداخلية ، ولا يمكن أن تخرج أهداف أي جيش عن طلب النصر والفتح ، فهذان ما يحب أن يحققه كل جندي ، وينشده أي قائد ، ومنهج القرآن لبلوغ هذه الغاية : هو تربية الجماعة على أن تقول ما تفعل ، وأن لا تعد إلا بما في استطاعتها أن تفعله ، ولا تأخذ على عاتقها أن تقوم بأي عمل إلا ما كانت تقدر عليه . ومنهج الإسلام في التربية : أساسه الإيمان باللّه ، والثقة فيه ، والتوكل عليه ، والاعتقاد بأنه الهادي ، وأنه لا يمكن أن يتخلّى عن المؤمنين ، وتصديق النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، والطاعة له كرسول وقائد ومعلم ؛ ومحصلة ذلك : أن يجاهد المؤمنون كما طلب منهم ، طالما كان الجهاد بأمر النبىّ صلى اللّه عليه وسلم وطاعة للّه تعالى ؛ والجهاد نوعان : بالنفس وبالمال ، ومن يأخذ بهذا المنهج فهو الرابح في تجارته ، فقد اشترى آخرته بدنياه ، وضمن الدنيا والآخرة ، وتحقق له الفوز ، ولنا في نبيّين مثل نبيّنا أسوة ، فبنوا إسرائيل آذوا موسى أشد الأذى ، مع أنهم علموا أنه رسول اللّه إليهم ، وضلّوا عن السبيل فأضلهم اللّه ، ثم أرسل إليهم عيسى ، مصدّقا للتوراة ، ومبشرا بنبىّ بعده اسمه أحمد ، فجحدوه وافتروا على اللّه الكذب ، والنبيّان كانا من أولى العزم ، وقوبلا بما قوبلا به ، يريد اللّه بقصتيهما أن يسرّى عن نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم ويسلّيه ، ويرفع معنويات المسلمين ، واللّه لا يمكن أن يحقق للكافرين النصر ، وإنما النصر والفتح للمؤمنين ، ولا يمكن أن تتاح للكافرين فرصة أن يطفئوا نور اللّه بأفواههم ، يعنى يفشّلوا دعوته إلى الحق بما يذيعون من افتراءات وأكاذيب وتخرّصات وإشاعات ، ودين اللّه هو الظاهر حتما ولو كره الكافرون . والسورة تحفل بالمصطلحات والصور البلاغية والأمثلة والحكم ، ومن ذلك اسم أحمد ، وهو اسم نبيّنا ، بشّر به عيسى ، وكانت لنبيّنا أسماء عدة ، وفي الصحيح عن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « لي خمسة أسماء » ، ذكر منها محمد ، وأحمد ، ولم يذكره عيسى باسم محمد ، لأن حمده لربّه كان قبل حمد الناس له ، فهو أحمد أولا لأنه دائم الحمد للّه ، ثم هو محمد لأن الناس صارت تحمد خصاله وخلقه .
وفي الحديث أيضا : « اسمى في الإنجيل أحمد ، واسمى في القرآن محمد » ، وهما اسمان منقولان من صفة ، وكل الأنبياء حامدون للّه ، ومحمودون من الناس ، إلا أن أحمد صيغة أفعل التفضيل ، فنبيّنا أحمد الحامدين ، أي أكثرهم حمدا ، وهم محمودون ولكنه محمد ، كالفرق بين الممدوح والممدّح ، ونبيّنا قبل البعث كان أحمد ، وصار بعد البعث محمدا ؛ وأما مصطلح « التجارة » في قوله :
هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
( 10 ) فقد