مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ
( 1 ) وبيّنت أسباب هذا النهى في قوله :
إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ
( 2 ) يعنى إن تمكنوا منكم ، فظفروا بكم ، وواتتهم الفرصة عليكم ، فلن يفرّطوا فيها وسيسفرون عن عدائهم لكم ، ويمتد إليكم عدوانهم ، وستطولكم ألسنتهم وإذاعاتهم وصحفهم ، يودون لو تتخلوا عن مبادئكم وعقيدتكم ، فلا تناصحوهم فإنهم لا يناصحونكم . وبيّنت السورة بقوله تعالى :
لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
( 3 ) أن القرابة والنسب والصحبة والمودة في هذه الحياة لن تنفع الناس يوم القيامة ، فلا توالوا أعداء الحق باسم هذه العلائق ، وضربت المثل بإبراهيم عليه السلام والذين معه ، فقد تبرءوا من قومهم ومما يعبدون لما ظهر أنهم كافرون ، كقوله :
قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
( 4 ) حتى أن إبراهيم تبرّأ من أبيه ، وكان قد وعده أن يستغفر له ربّه ، فكان وعده له استثناء منقطعا ، فلما تبيّن له إصراره استغنى باللّه عنه وعن قومه جميعهم ، ودعا ربّه فقال :
رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ( 4 ) رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
( 5 ) وتحضّ الآية على اتخاذ إبراهيم أسوة حسنة ، يقتدون به ويتأسّون . وفي السورة قوله تعالى :
لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ
( 8 ) ( الممتحنة ) استثناء مما سلف ، ونهىّ عن معاداة غير الأعداء ، بل والبرّ بهم وصلتهم ، كقوله تعالى :
عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً
( 7 ) . وهذه السياسة التي ينصح القرآن بها المسلمين في الحرب والسلم ، هي التي دعت الكثيرين إلى اعتناق الإسلام بعد فتح مكة ، بل إن الرسول ليهادن أعداء الإسلام تزوّج من أم حبيبة بنت عدو الإسلام أبي سفيان ليتألّفه ، وتزوج صفية بنت حيىّ بن أخطب رأس اليهود ليتألّف اليهود ، وتزوّج جويرية بنت الحارث ابنة رئيس بنى الحارث ليدخل أهلها الإسلام ، وبالإضافة إلى ذلك أن زواجه منهن كان مساعدة لهن ، وحماية لهن في غربتهن ، وبذلك ثبت أن الإسلام لا يعادى إلا من يسفرون عن عدائهم للمسلمين ، ويوالى من يوالونهم ، كقوله :
إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ
( 9 ) ، فحددت الآية في ثلاثة أمور من تجب عدم موالاتهم من غير المسلمين ، وهم أولا : الذين يجاهدون المسلمين على دينهم ؛ وثانيا : الذين يستولون على بلادهم ويطردونهم من بيوتهم ، ويتلفون أراضيهم ؛ وثالثا : الذين يعاونون على كل ذلك سواء بالمشاركة فيه أو بالموافقة عليه .