ثم تنتقل السورة إلى مناقشة أمر آخر يتعلق بأمور الموالاة ، وهو هجرة نساء العدو إلى بلاد الإسلام ، طلبا للإسلام ، وكان منهن زمن الرسول صلى اللّه عليه وسلم : سعيدة بنت الحارث الأسلمية - زوجة صيفي بن الراهب ، وأم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط - زوجة عمرو بن العاص وكان وقتها من حزب الكفار ، وأميمة بنت بشر - زوجة ثابت بن الشمراخ ، فنزلت آية امتحان النساء ، تقول :
إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ
( 10 ) ، فأوجبت امتحانهن ، عسى أن يكن يردن الإضرار بأزواجهن والفرار منهن ، بترك البلاد إلى المدينة ، فأمر المسلمون أن تستحلف المهاجرة باللّه بأنها ما خرجت من بغض زوجها ، ولا رغبة من أرض إلى أرض ، ولا التماسا للدنيا ، ولا عشقا لرجل من المسلمين ، بل حبا للّه ولرسوله ، فإذا حلفت ردّ الرسول صلى اللّه عليه وسلم مهرها لزوجها الكافر . وما أنفق عليها ، ولم يردّها ، وكذلك يطلّق المسلم المرأة الكافرة ، ويحصل على ما أنفق عليها ، فذلك قوله تعالى :
فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا
( 10 ) . ولمّا فتحت مكة قدم النساء ، يبايعن الرسول صلى اللّه عليه وسلم على الإسلام ، فنزلت آية مبايعة النساء تقول :
إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ
( 12 ) ، فهذه الأركان الستة هي أركان النهى بالنسبة للنساء ، وعلى أساسها تتم البيعة . و « قتل الأولاد » : هو ما يعرف بالوأد ؛ و « افتراء البهتان بين اليدين والرجلين » : هو الحمل من غير الزوج وأن تنسبه إليه . وهذه الأركان الستة بخلاف أركان الإسلام الستة ، وهي : الشهادة ، والصلاة ، والزكاة ، والصيام ، والحجّ ، والوضوء والاغتسال . ومناهى النساء أكدت عليها الآية لأن الكثير من النساء كن يرتكبنها ، فخصّتها الآية بالذكر .
وختمت السورة بمثل ما بدأت به من التحذير من موالاة أعداء اللّه ، فتناسق الكلام في البدء والختام ، فكان نعم البدء ونعم الختام . واللّه سبحانه وتعالى الموفّق للصواب .
* * *
643 . سورة الصف
السورة مدنية ، نزلت بعد التغابن ، وآياتها أربع عشرة ، وترتيبها في المصحف الواحدة والستون ، وفي التنزيل المدني الثالثة والعشرون ، وفي التنزيل عامة هي التاسعة بعد المائة ، وكان نزولها في وقت كان المسلمون فيه قد فرض عليهم القتال دفاعا عن دينهم ، وعن أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وبيوتهم وبلادهم ، ولذلك كان مدارها القتال ، وجاء تعليم