تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 720

مساهمون:

ص٧٢٠
، وكان بين هزيمة هؤلاء وهزيمة هؤلاء سنتان ، وكانت وقعة بدر قبل غزوة بنى النضير بستة شهور ، وشبّهت السورة حال اليهود من بني قريظة بحال الشيطان ، أرادوا غواية بنى النضير ليستمروا يقاتلون ، فكان عاقبتهما شرّ الهزائم ، كالشيطان ومن يغويه ، مصيرهما إلى النار ، وفي الآية :
نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
( 19 ) أن اليهود وقد نسوا حقّ اللّه أنساهم حقّ أنفسهم ، ونسوه في الرخاء ، فنساهم في الشدائد . وفي السورة بيان عن وجوب السنّة في قوله تعالى :
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
( 7 ) ، فكل ما أمر به النبىّ فيما ورد عنه من الأحاديث الصحيحة فهو أمر من اللّه تعالى ، وقد حكم الرسول في هذه السورة أن يقسم الفيء إلى خمسة مصارف خصّ بها المهاجرين ، ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر محتاجين ، منهم : أبو دجانة سماك بن خرشة ، وسهل بن حنيف ، والحارث بن الصّمة . وهؤلاء جميعا كانوا فقراء ووزعت عليهم أموال بنى النضير إلا اثنين ، هما : سفيان بن عمير ، وسعد بن وهب لم يكونا قد أسلما . وجاء في تخصيص الفيء للفقراء من المهاجرين :
كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ
( 7 ) ، أي حتى لا يتداول المال ويحصر بين الأغنياء ويحرم منه الفقراء ، فيزداد الأغنياء غنى ، ويزداد الفقراء فقرا ، وتتسع الهوة بين الطبقات ، وهذه هي اشتراكية الإسلام ، وقوامها التقريب بين الدخول . وخصّ المهاجرون لأنهم أخرجوا بسبب الإسلام من أموالهم وديارهم ، وتلك أكبر علامة على صدق إيمانهم . ولم يكن الأنصار أقل إيمانا ، فقد كان منهم جماعة أسلموا قبل هجرة النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وهؤلاء لا يحسدون المهاجرين على ما أخلصهم اللّه ، ويؤثرون على أنفسهم مع شدّة حاجتهم . و « الإيثار » في السورة من مصطلحات علم النفس الإسلامي ، وهو تقديم الغير على النفس رغبة في الحظوظ الدينية عن الحظوظ الدنيوية ، وتدفع إليه شدة اليقين . و « الإيثار بالنفس » فوق « الإيثار بالمال » ، ومن الأمثال السائرة : « والجود بالنفس أقصر غاية الجود » . ومن أمثال السورة قوله تعالى :
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
( 9 ) ، والشّح أشد من البخل ، والشّح بخل مع حرص ، والشح في الآية أن تؤثر نفسك على أخيك ، والشح من مصطلحات الطب النفسي ، والشحيح نمط من أنماط الشخصية ، والشح إطلاقا هو الظلم واتباع الهوى ، والميل عن الإيمان ، وترك الفرائض ، و « من يوقى شح نفسه » هو الذي لا يفعل ما حرّم اللّه ونهى عنه . ويتجاوز الثناء في السورة إلى التابعين ، وهم الفرقة الثالثة من فرق مجتمع المدينة بعد المهاجرين والأنصار ، كقوله تعالى :
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا
( 10 ) ، وهذا الدعاء دليل على وجوب محبة الصحابة ومحبة من يحبهم .