تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 704

مساهمون:

ص٧٠٤
وأشجار السدر المخضود والطلح المنضود في كل مكان ، والأول هو النبق لم يعد له شوك ، والثاني هو الموز المتراكب بعضه فوق بعض ؛ وفرشهم أو مجالسهم مرفوعة ، وتطوف عليهم جميلات ، عرب بسّامات لطيفات ، أتراب متشابهات في السن . ثم تأتى المقارنة بين جزاء السابقين وجزاء أصحاب اليمين ، وجزاء أصحاب الشمال ، وفي الجزء أو المشهد الخامس : الأخيرون ظلهم من يحموم وهو الدخان الأسود ، وتلفحهم رياح السموم الحارة تدخل في المسام ، ويسقون من حميم يحرق الكبد بحرارته وغليانه ، لا هو بارد ولا كريم ، كقوله :
لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ
( الزمر 6 ) ، وهؤلاء كانوا في الدنيا مترفين ، وويل للمترفين المتنعّمين ؛ وفي القرآن تأتى المترفون ثماني مرات ، يتوعّدهم اللّه فيها جميعا ، وعندهم ما ثم غير الحنث العظيم ، أي الشّرك ، وليس من مترف إلا وفي قلبه شك وكفر بالآخرة والبعث والحساب ، وكان الرسول صلى اللّه عليه وسلم - ومن بعده أصحاب البلاغ والدعوة من أمة الإسلام - يقسم لهم كمقابل لقسمهم أو حنثهم بالباطل ، بأنهم مجموعون لهذا اليوم المعلوم ، وعندئذ يعذّبون ، وبدلا من طعام الدنيا المترف سيكون طعامهم شجرة الزقوم - أنتن وأبغض أنواع الشجر ، قيل يزقم أو يزكم الأنوف من رائحته الكريهة ، وليس لهم من طعام إلا لحاء هذه الشجرة ، يعضّون عليه ويملئون منه بطونهم حتى الشبع ، فلا يجدون لظمئهم إلا ماء الحميم المغلى ، يعبّونه كالحيوانات الهيم العطاش . وهكذا تنتهى هذه الأجزاء الخمسة من السورة ، وقد استنفدت وصف المنازل الثلاثة للفئات الثلاث يوم القيامة . ثم يكون الجزء السادس : ويعالج أدلة وبراهين وجود اللّه وقدرته ، يسوقها حتى لا يكون هناك عذر لمعتذر : ويبدأ الحجاج في هذا الجزء بعبارة منطقية تحتمل التكذيب والتصديق ، فقال تعالى :
نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ
( 57 ) ، إلا أن منطق الحال في الكون يقضى بصدق العبارة ، لأنه إن لم يكن لهذا الكون خالق ، فكيف إذن كان الكون ؟ هل خلق نفسه ؟ فلا بد من التسليم بأن الخالق هو اللّه ولو ادّعى آخر بأنه الخالق لتشككنا في اللّه ، ولكن لم يدّع آخر بأنه الخالق ، فلم يعد إلا التسليم بدعوة اللّه أنه الخالق . فلو صدّقنا ذلك ، فهلا صدّقنا أيضا بالبعث ، لأن الإعادة كالابتداء - وتترى الآيات بالحجج أنه تعالى الخالق ، وهي خمس حجج : الأولى حجة المنىّ : فهذا المنىّ الذي نشهده يصب في الأرحام ، كيف جاء ، ومما خلق ؟ أليس الخالق هو اللّه ؟ ثم الحجة الثانية هي : حجة الموت والخلق ، فمن يستطيع أن يميتنا في الحقيقة ؟ أليس هو اللّه ؟ ومن يخلق من يحل محلنا ويأتي بعدنا ، أليس هو اللّه ؟ ألا يخلق الناس جيلا بعد جيل ، ونشأ بعد نشء ولم يكونوا من قبل شيئا ؟ فلما ذا لا يستطيع أن يبعثنا من جديد ؟ والذي أنشأنا النشأة الأولى قادر على أن ينشأنا النشأة الثانية ! والحجة
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 704 | عبد المنعم الحفني