الجنة ، وأهل النار ، وأهل الدنيا ، فهذه السورة فيها أو في بيان ؛ واسمها كذلك الخافضة الرافعة : لأنه بالقيامة يخفض أقوام كانوا في معصية اللّه فيلقون في النار ودركاتها خفيضة ، وكان هؤلاء في الدنيا مرفوعين ، فيخفضون بالعدل ؛ ويرفع أقوام كانوا في طاعة اللّه ، وكانوا في الدنيا مخفوضين ، فيرفعون بالعدل والفضل ، والخافض والرافع في الحالتين هو اللّه ، يخفض على الحقيقة ، والخافض والرافع من أسمائه تعالى ، وهو يخفض المنكرين له إلى أسفل سافلين ، ويرفع أولياءه إلى أعلى علّيين وفي القسم الأول ترجّ الأرض رجّا ، وتزلزل يوم القيامة ، وينكسر كل شئ عليها من جبال وغير جبال ، وتبسّر وتتفتت ، وينسفها اللّه تعالى نسفا حتى لتصير كالهباء المنبث ، وكالغبار والشرار المتطاير . وفي القسم الثاني : نعلم أن الناس في هذا اليوم ثلاث فئات أو طوائف : ففئة هم أصحاب الميمنة :
يؤخذون ذات اليمين إلى الجنة ، ويؤتون كتابهم بيمينهم ، وهم الميامين على أنفسهم بالأعمال الصالحة ، وأهل الحسنات ، وأصحاب التقدّم ؛ وفئة أصحاب المشأمة : وهم المشائيم على أنفسهم بالأعمال السيئة ، يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار ، ويؤتون كتابهم بشمالهم ، وهم أصحاب التأخر ، وزاد في وصف هؤلاء وهؤلاء فقال :
فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ( 8 ) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ
( 9 ) ، والتكرير في الآية الأولى للتفخيم ، وفي الثانية للتفظيع ، ولتعجيب السامع من شأن الفريقين أو الفئتين ، في الفخامة والفظاعة ، كأنه يقال : فأصحاب الميمنة في غاية حسن الحال ، وأصحاب المشأمة في غاية سوء الحال ، والمقصود تكثير ما لأصحاب الميمنة من الثواب ، وما لأصحاب المشأمة من العقاب . والفئة الثالثة هي فئة السابقين : كرر اللّه تعالى السابقين فقال :
وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ( 10 ) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ
( 11 ) ، وكأن المعنى : والسابقون ويا ما شاء اللّه على السابقين ، أولئك المقربون إلى اللّه ، في ظل جواره وفي ظل عرشه ، وفي دار كرامته ، وهم الذين إذا أعطوا الحق قبلوه ، وإذا سئلوه بذلوه ويحكمون للناس كحكمهم لأنفسهم ، وكانوا السابقين إلى الإيمان ، وإلى الصلوات ، والجهاد ، وإلى التوبة ، وهم من أمة الإسلام أمثال أبى بكر ، وعمر :
يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ
( 61 ) ( المؤمنون ) ،
وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ
( التوبة 100 ) . والناس ثلاثة : فرجل ابتدأ بالخير في حداثة سنّه وداوم عليه حتى خرج من الدنيا ، فهذا سابق مقرّب ؛ ورجل ابتدأ عمره بالذنوب وطالت غفلته ، ثم رجع بتوبته حتى ختم له بها ، فهذا من أصحاب اليمين ؛ ورجل ابتدأ عمره بالذنوب ، ولم يزل عليها حتى ختم له بها ، فهذا من أصحاب الشمال . وفي السورة تأخر ذكر السابقين وتقدّم ذكر أصحاب اليمين ، وكان الأولى أن يتقدم ذكر السابقين ، ويذكرهم