أولا ، إلا أن السورة بدأت بمشاهد يوم القيامة تخويفا للناس ، فجعلهم لذلك إما محسنين فيزدادون رغبة في الثواب ، وإما مسيئين فيرجعون عن غيّهم ، فقدّم أصحاب اليمين ليسمعوا ويعوا ويرغبوا ، ثم ذكر أصحاب الشمال ليرهبوا ، وبعد ذلك ذكر السابقين ، لأن هؤلاء لا يرهبهم يوم الفزع الأكبر ، ولا يحزنهم ، ولا يكدّرهم ؛ ولأنهم بذكره ينبسطون ، وتنشرح له صدورهم ، وتبتهج قلوبهم ، لما ينتظرهم من جوائز اللّه ، وهم
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ
( 13 ) ممن مضى من الأمم السابقة ،
وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ
( 14 ) من أمة محمد ، كانوا قلة بالإضافة إلى من كانوا قبلهم ، فمن سبقوا زمنيا كان أنبياؤهم كثيرين ، فكثر السابقون إلى الإيمان بهم ، فزادوا على عدد من سبق إلى التصديق من أمة محمد ، وفي الحديث : « إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ، بل ثلث أهل الجنة ، بل نصف أهل الجنة ، وتقاسمونهم في النصف الثاني » ، فالأمر سباق بين الأمم إلى طاعة اللّه ، وفي السباق هناك المتقدّمون والمتأخرون ، والسابقون من الأمم كافة يكونون أكثر من السابقين من أمة واحدة ، وأما أصحاب اليمين من هؤلاء وهؤلاء فهم متساوون :
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ( 39 ) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ
( 40 ) ، وقيل بل الثلتان من أصحاب اليمين ، ومن السابقين من أمة محمد ، فمنهم من هو في أول أمته ، ومنهم من هو في آخرها ، مثل قوله :
فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ
( فاطر 32 ) . وفي الحديث : « خيركم قرني » . والثلّة : من ثللت الشيء ، أي قطعته ، فمعنى ثلة كمعنى فرقة . وتستطرد السورة في القسم الثالث إلى وصف نعيم السابقين ترغيبا لأهل السبق ، وجنّتهم التي خصصت لهم هي جنة النعيم ، والجنات أنواع ؛ وسررهم أو مجالسهم فيها موضونة ، أي منسوجة ومرمولة بخيوط الذهب ؛ يجلسون متقابلين ويخدمهم ولدان لا يكبرون في السن ولا يشيخون ، ويشرف على خدمتهم حور عين ، واسعات العيون ، في غاية الجمال والبهاء ، كأنهن اللؤلؤ في الصفاء والنقاء ، يطوفون بأكواب وأباريق وكئوس ملؤها الخمر ، يجلبونها من العيون ، فلا تستخرج بعصر وتكلّف كخمر الدنيا ، ولا تنصدع بها الرؤوس ، ولا تذهب العقول ، ويقدّمون لهم الفاكهة مما يحبون ويختارون ، ولحم مما يشتهون من الطيور ، جزاء ثوابا بما كانوا يعملون . وفي جنة النعيم لا لغو ولا تأثيم ، ولا باطل ولا كذب ، إلا قيلا سلاما ، فيردّ السامع يقول : سلاما - فهذه تحيتهم ، وهكذا تحييهم الملائكة . وفي الجزء أو المشهد الرابع : تقارن السورة بين أحوال السابقين وأحوال أصحاب اليمين ، والأخيرون ظلّهم ممدود ، أي دائم وباق لا تنسخه شمس ؛ ويشربون الماء الجاري المسكوب ؛ وفواكههم كثيرة لا تنقطع كانقطاع فواكه الدنيا في الصيف والشتاء ، ولا يحظر بعضها ويباح بعضها ؛