تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 694

مساهمون:

ص٦٩٤
قدرة مطلقة . وتتحدث السورة عن يوم القيامة ، ومن أعراضه أن ينشق القمر ، وتسميها السورة « الساعة » ، تشبيها لقصر هذا اليوم حتى أنه ليمر وكأنه ساعة ، أو أن القيامة حين تحين فلها وقت وساعة تقوم فيهما ؛ وانشقاق القمر تصدّعه وانفلاقه فلا يعود قمرا ، ولا تعود له وظيفة القمر ، فلما نزل قوله تعالى :
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ
( 1 ) لم يصدقوا أن ينشق القمر فكانت الآية بعد هذه الآية الأولى :
وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ
( 2 ) ، وكان سبب نزولها أن البعض ادّعوا أن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم كانت له هذه المعجزة ، فقد طالبوه بآية ، فانشق لمطلبهم القمر كآية له ، والشمس والقمر في ذاتهما آيتان من آيات اللّه ، أفلا يكفيان ؟ ثم إنهما وهما يعملان آيتان أكبر وأعظم مما لو أبطل عملهما ؟ وفي الحديث أنهما لا يسجدان لأحد ولا ينشقان ، وفي القرآن أنهما مسخّران لأجل مسمى ، وكما أن الإنسان لا يموت إلا موتة واحدة ، فكذلك موت القمر أو انشقاقه يحدث مرة واحدة حين تحين الساعة لا غير ، والقول إذن بأن القمر انشق بمكة كطلب النبىّ صلى اللّه عليه وسلم من الإسرائيليات ، ولو انشق القمر لوقع وانطمس نوره وما عرف الناس الشهور ، وانظر إلى ما يحدث في الخسوف لتدرك هول ما قد يحدث لو انشق القمر ؟ ! وفي السورة :
كُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ
( 3 ) أن القمر بحسبان وأنه يجرى إلى يوم الدين ، فذلك من الأمور المستقرة ولا تبديل لها . ولمن يسأل المعجزة قالت السورة :
وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ
( 4 ) ، ولكنهم لم يزدجروا ، وهذا القرآن كان فيه الحكمة البالغة ، والقصص الحق ، ولكن الآيات والنذر ما تغنى عن قوم لا يؤمنون ، فلا معدى أن يتولّى عنهم النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، لأن مصيرهم إلى العذاب يوم الدين ، وتصف الآيات أحوالهم فيه ، فهم يخرجون من القبور كالجراد المنتشر ، خشّعا أبصارهم ، مهطعين - أي مسرعين إلى الداعي ، لا يقولون إلا عبارة واحدة :
هذا يَوْمٌ عَسِرٌ
( 8 ) . ثم تضرب السورة الأمثال للنبىّ وللمؤمنين بما حدث لأنبياء قبله ، تسلية لهم ، ورفعا لمعنوياتهم ، وقدوة وأسوة ، ولا مراء أن أول من يضرب به المثل هو نوح ، وقد وصفوه بالجنون كما وصفوا به النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وأخبرت السورة بأنهم ازدجروه ومنعوه من الدعوة وسبّوه مثلما حدث مع النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، فما استطاع إلا أن دعا ربّه :
أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ
( 10 ) ، فاستجاب له ، وأمطرهم بماء منهمر ، وتفجّرت الأرض عيونا ، والتقت المياه في طوفان عظيم ، ولولا سفينته التي أمره اللّه بصنعها من الألواح والحبال لما نجا نوح ومن معه ، وجرت السفينة بأعينه تعالى ، وبحفظه وكلئه ووحيه ، فكانت آية لمن كفر ومن جاء بعد نوح من الأقوام ، فهل من مدّكر ؟ وهذا القرآن كسفينة نوح فيه النجاة ، ويسّره اللّه لمن يتّعظ ، فهل من مدّكر ؟ ثم كان قوم عاد
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 694 | عبد المنعم الحفني