تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 691

مساهمون:

ص٦٩١
عليه مع طول صحبتهم له ، فعبّر عن ذلك بلفظ
صاحِبُكُمْ
( 2 ) . وموضوع هذه الآيات : هو الإسراء الذين لم يصدّقوه فيه ، فلقد روى لهم أن جبريل استوى بقوته في الأفق ، وكان في صورته الملكية ، ورآه النبىّ على هذه الصورة ، وكان بحراء ، فطلع له من المشرق وسدّ بهيئته الأفق الأعلى ، وتدلّى حتى دنا منه ، فأوحى إليه ما أوحى ، فهذه هي المرة الأولى ، وما كذّب فؤاده ما رأته عيناه ، ووعاه بصره ولا شك فيه ، وما كان ينبغي أن يماروه فيما رأى ، ولا أن يجحدوه . ثم رآه مرة أخرى في ليلة الإسراء ، نازلا إليه ، عند سدرة المنتهى حيث انتهى به المعراج ، والسدرة يغشاها ما يغشاها ، وعندها جنة المأوى ، وما جاء في هذه الآيات من المصطلحات من أمور الغيب . وما يرويه مما رأى ، هو ما أبصره بعينيه ، ووعاه بعقله ، وما زاغ بصره ، ولا ضلّ عقله ، ولا جاوز حدود ما أطلع عليه ، ولقد أطلع على الكثير ، وكلها آيات كبرى . ثم يأتي الجزء الثاني من السورة ، وأوله :
أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ( 19 ) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ( 20 ) أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ( 21 ) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى
( 22 ) ، فلما ذكر الوحي والإسراء والمعراج ، وذكر من آثار قدرة اللّه ما ذكر ، حاجّ المشركين في عبادتهم لما لا يعقل ، ولاعتقادهم في أصنام من حجر ، وردّ عليهم قولهم بأن اللات والعزّى ومناة هن بنات اللّه ، مثلما الملائكة التي قال بها هن بنات اللّه في زعمهم ، فكيف إذا اختاروا لأنفسهم يختارون أن يكون لهم أولاد من الذكور ، وإذا اختاروا للّه يختارون له البنات ؟ وما كان ما يعبدونه إلا أسماء أسموها لا وجود لها في الواقع ، فكأن ما يقوله فلاسفة الوضعية المنطقية حاليا يستقونه من هذه الآية ، لأنهم أنكروا الإقرار بالوجود إلا لما يكون من الواقع ، فما ليس من الواقع وإن كان في كلامنا ، فوجوده
nil
، أي معدوم ، والآية تقول ذلك ، وترد الموجودات المتوهّمة إلى :
الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ
( 23 ) ، وتبطل دعواهم أنهم ما يعبدونها إلا زلفى أي للشفاعة ، فلا أحد من المخلوقات يملك أن يتشفع من تلقاء نفسه إلا أن يأذن له اللّه ، وحتى الملائكة لا تملك أن تتشفع لأحد إلا بإذنه تعالى ، والحال مع هؤلاء هو الإعراض عنهم طالما هذا هو اعتقادهم ، وهو كل مبلغهم من العلم ، وأما المؤمنون فسيكون جزاءهم الحسنى . ثم يكون الجزء الثالث من السورة عن واحد من الذين كفروا وأساءوا ، وهو الوليد بن المغيرة ، فقد تولّى وبخل واستغنى ، مع أنه يعلم مما جاء في كتب السابقين ، أن الإنسان ليس له إلا ما يسعى ، وأن سعيه سوف يرى ، وأنه إلى اللّه المنتهى ، وأنه تعالى العادل لا تتعدى عقوبته غير المجرم ، وهو تعالى القادر الذي يميت ويحيى ، ومثلما خلق من لا شئ ، فبوسعه أن يعيد ما خلق ، وأن يغنى ، وأن يفقر ، وهو ربّ الأكوان والأزمان ،