تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 697

مساهمون:

ص٦٩٧
الخير والشرّ ، وما ينفع وما يضرّ . « والإنسان » في السورة : يراد به جميع الناس ، و « البيان » على هذا يكون الكلام والفهم ، فضّل اللّه تعالى الإنسان بالبيان على سائر الحيوان . وهذه السورة للتعريف باللّه خالق الإنسان والبيان ، وهي من السور التي بها الكثير من الفلسفة في مسائل الإلهيات ، والنشأة ، وعلوم الكون والفضاء والنفس . والبيان الذي علّمه اللّه للإنسان ، واختصّه به ، ليس مجرد الكتابة والخط بالقلم ، ولا هو مجرد التعبير للتفاهم حول اليوميات ، ولكنه جماليات اللغة وأنماط الأدب ، وجماليات الخطوط والأشكال والرسوم والألوان ، كقوله تعالى :
عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
( 5 ) ( العلق ) . والبيان من آلاء اللّه ، وآلاؤه أو نعمه لا تعدّ ولا تحصى ، وهذه السورة للفت النظر والسمع والفهم إلى بعض منها ، وتتكرر الآلاء 31 مرة ، وفي كل مرة تذكر ، يأتي
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
( 13 ) ، والخطاب فيها لاثنين ، قيل هما المؤمن والكافر ؛ وقيل : الخطاب للإنس والجن ، كقوله تعالى :
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي
( الأنعام 130 ) ، ومع ذلك فالقرآن ليس كتابا للجن ولكنه كتاب للبشر ، وما قصّه علينا إنما عن رسل البشر وليس عن رسل الجن ، وسورة الرحمن الخطاب فيها ، والحديث فيها يشمل الإنس والجن . وفي القرآن إخبار عن أن الجن استمعوا له واتّعظوا به . وفي الرواية : أن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قام يصلى الصبح بنخلة ، فقرأ سورة الرحمن ، واستمع لها نفر من الجن ، وذهبوا يبلّغون . وقيل : لمّا نزلت عليه سورة الرحمن خرج على أصحابه يقرأها عليهم من أولها إلى آخرها ، فسكتوا ، فقال : « لقد قرأتها على الجن ليلة الجن ، فكانوا أحسن مردودا منكم . كنت كلما أتيت على قوله : « فبأي آلاء ربكما تكذبان » قالوا : لا بشيء من نعمتك ربّنا نكذّب ، فلك الحمد » أخرجه الترمذي . وهذا الحديث اتّخذ ذريعة للقول بأن السورة مكية وليست مدنية ، وقالوا : إن روحها روح السور المكية ، وفيها عن الجن مثلما في سورة الجن وهي مكية أيضا ، وهذه السورة الأخيرة رواية عن الجن في تسع عشرة آية من ثمان وعشرين آية هي كل آيات السورة . وكذلك سورة الرحمن تلازم فيها الخطاب للإنسان والجن ، وتسميهما السورة : « الثقلان » . قيل : سميّا بذلك الاسم ، لعظم شأنهما بالإضافة إلى سائر ما في الكون من مخلوقات ، أو لعظم ذنوبهما . ولا يستغربن القارئ أن يكون في القرآن سور وآيات عن الجن ، فإن علوم الفضاء الحالية يؤكد علماؤها أن غايتهم اكتشاف سكان الكون من غير الإنسان ، ويجزمون بأن هناك مخلوقات تسكن الكواكب وتعمّ الكون بخلاف الإنسان ، فلما ذا لا يكون هؤلاء هم الذين يسميهم القرآن الجن ؟ ولقد بيّنت سورة الجن مدى قدرات الجن ، وأنهم يتنصتون على الملأ الأعلى في السماء ؛ وفي سورتي النمل وسبأ :
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 697 | عبد المنعم الحفني