وبالقوانين والأسباب التي وضعها اللّه ، ومن إعجاز القرآن العلمي أن يأتي الردّ على هؤلاء في القرن الواحد والعشرين ، وهو أيضا ردّ على من يتقوّل بأن القرآن كتاب لعصره ولا يصلح لعصور غيره ؟ ! فذلك رد على خاصة الخاصة من علماء عصر العولمة ، وفيه إثبات بأن القرآن كتاب اللّه المنزّل لكل زمان ومكان ، وأنه للعالمين ، يعنى بهذا المصطلح « بنى الإنسان » أينما كانوا وفي أي زمان . ويأتي الردّ الأبلغ على هؤلاء ، بأن الاستنساخ مسألة من فضل اللّه ، ولكنها بسيطة وإن ضخّموا فيها ، فمتعلقها بنعجة أو فرد أو عضو من الأعضاء ، أو حتى الإنسان ، فما ذا بشأن السماوات والأرض ؟ فليقرّوا بأنهم غير خالقين ، وأنهم ليسوا إلا متشبّهين ، وما يقرّون ، لأنهم لم يوقنوا ، وما كانوا موقنين وهم يقولون ما قالوا ، وما كان لهم من العلم إلا القليل ، والعلم خزائن عند ربك ، ودعاواهم ليست إلا تسلّطا ومزاعم ، ولو تسمع إليهم فكأنهم يعلمون الغيب ، وكأنهم يصعدون إلى السماء يسترقون السمع ، ويعرفون ما لا يعرفه الناس ، ولو كانوا يعرفون لكانت لهم البيّنة المعلّاة . وكأن السورة حشدت كل ما يوجّه إلى هؤلاء المكذّبين المدّعين ، ومنهم قوم زعموا أن الملائكة بنات اللّه ، فحاجّتهم السورة : لما ذا وأنتم لا تحبون البنات وتؤثرون البنين ؟ أفتجعلون للّه ما تكرهون ؟
ومن هؤلاء المتخرّصين ، اليهود الذين يقولون إنهم شعب اللّه المختار ، والنصارى الذين يقولون المسيح ابن اللّه ، والسورة توبّخ هؤلاء وهؤلاء ، وتردّ كراهيتهم للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم إلى أوهام عندهم ، وكأن النبىّ يتقاضى منهم أجرا على تبليغه رسالة ربّه ، وكأنما هم مثقلون بما تكلفهم هذه الرسالة . وربما كانوا في تكذيبهم للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم يصدرون عن علم خاص بهم ، يجعلهم واثقين وهم ينفون إمكان القيامة ، ويكذّبون وجود شئ اسمه الجنة والنار . وربما كان تكذيبهم مكرا بالرسول صلى اللّه عليه وسلم من باب المكايدة ، والحق أنهم الممكور بهم والمكيدون ، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله . وربما أن ما يدعوهم إليه القرآن والنبىّ صلى اللّه عليه وسلم لا يتوافق مع إيمانهم بإله آخر يشاركه تعالى في الملك ، وسبحان اللّه عما يشركون . وتعرض السورة لما بلغه عناد المعاندين ، حتى أنهم ليتحدّون النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أن يسقط عليهم كسفا من السماء - أي يسقط بعض السماء عليهم - كعقاب لهم ، ومع ذلك فلو رأوا الكسف بأعينهم ، وشاهدوه ببصائرهم ، لماروا فيه وادّعوا أنه مجرد سحاب مركوم ! وأمثال هؤلاء لن ينفع معهم سوى أن يتركوا حتى يلاقوا يومهم الموعود من العذاب ، وحينئذ لن ينفعهم كيدهم ، وتختم السورة بأعظم ختام :
وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ( 48 ) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ
( 49 ) ، وهي عظة للنبىّ وخطّة عمل للمرحلة القادمة ، فليس سوى الصبر على هذا البلاء الذي ابتلى به من قومه ، فهو بأعين اللّه وفي رعايته