تميّزوا وتفرّقوا وانفصل المؤمنون عن الكافرين ، لعذّب اللّه الكافرين ، ووصفهم بأن قلوبهم ملأى بحمية الجاهلية ، وهي من مصطلحات القرآن ، وتعنى أنفة وغطرسة وعصبية الجاهلية ، وعلى نقيض ذلك كان المؤمنون ، فقد أنزل اللّه السكينة عليهم ، وألزمهم كلمة التقوى ، وهي مصطلح قرآني آخر ، قيل : هي كلمة لا إله إلا اللّه ، اختارها لهم وكانوا الأحق بها ، فصدقت رؤيا النبىّ صلى اللّه عليه وسلم وكان قد حدّث بها أصحابه ، فرأى في المنام أنه يدخل مكة وطاف وحلق ، فنزلت الآية :
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً
( 27 ) ، وما كانوا وقتها قد دخلوا مكة ، ولا طافوا ، ولا حلقوا ، فعجبوا للآية ، وقالوا : واللّه ما حلقنا ولا قصّرنا ، ولا رأينا البيت ، فأين هي الرؤيا ؟ ووقع في نفوس البعض شئ من ذلك ، وكان نزول هذه الآية تصديقا للرؤيا وللنبىّ صلى اللّه عليه وسلم . وكان قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ
( 28 ) من المعجزات ، فبشّرت الآية بأن الإسلام سيعلو على كل الأديان ، فما يزال يظهر عليها كل يوم ، وكان ختام السورة أعظم ختام ، وسمّت السورة النبىّ صلى اللّه عليه وسلم باسمه تكريما وتعظيما ، ونوّهت بأصحابه الأشداء على الكفار والرحماء بينهم ، وزادت تعريفا بهم : أنهم لا يرون إلا راكعين ساجدين يبتغون الفضل من اللّه ، وسيماهم في وجوههم من أثر السجود ، فذلك مثلهم في التوراة ، ومثلهم في الإنجيل : كزرع صحّ فنبتت فروعه ونمت وغلظت ، واستوى على سوقه وفرح به الزارعون ، ورآه الكفار قويا فاغتاظوا ، وهو مثل في غاية البيان ، فالزرع هو الإسلام ، والشطء في الآية هم أصحابه ، كانوا قليلا فكثروا ، وضعفاء فقووا ، وللّه الحمد والمنّة .
ومن أحكام هذه السورة في الجهاد قوله تعالى :
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ
( 17 ) فإن تخلّف هؤلاء فلا إثم عليهم . وفي مناسبة هذه السورة أن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم لمّا عرف أن كفار قريش سيرسلون إليه خمسمائة فارس على رأسهم عكرمة بن أبي جهل ، استدعى خالد بن الوليد وكان في صفوف المسلمين ، وقال له :
« هذا ابن عمك ، أتاك في خمسمائة فارس » ؟ فقال خالد : أنا سيف اللّه وسيف رسوله ! فيومئذ سمّى خالد بن الوليد « سيف اللّه » .
* * *
630 . سورة الحجرات
السورة « مدنية » ، نزلت بعد المجادلة ، وآياتها ثماني عشرة ، وترتيبها في المصحف التاسعة والأربعون ، وفي التنزيل المدني العشرون ، وفي التنزيل عامة السادسة بعد المائة ،