تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 672

مساهمون:

ص٦٧٢
واحتبست قريش عثمان ، وبلغ الرسول صلى اللّه عليه وسلم أنه قتل ، فقال الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « لا نبرح حتى نناجز القوم » ، ودعا الناس إلى البيعة ، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة ، وبايعوه على الموت أو على أن لا يفرّوا ، ولم يتخلف واحد إلا الجد بن قيس . وقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أنتم خير أهل الأرض اليوم » ، وقال : « لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة » ، ونزل القرآن فيهم :
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
( 10 ) . والسورة جميعها تتحدث في أمر هذا الصلح الذي كان بداية الفتح الأعظم : فتح مكة ، فكان هذا الفتح غاية التمكين في الجزيرة العربية ، فقد دخل الناس الإسلام بعد ذلك أفواجا ، وأبلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم أحسن البلاء ، فكافأه اللّه تعالى ونزلت عليه الآية :
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 2 ) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً
( 3 ) ، فعلمنا أن الأنبياء قد تجرى عليهم الصغائر ، وربما كان ما تقدم من ذنبه قد كان في الجاهلية ، وربما كان الذنب يوم بدر أو يوم حنين ، فقد كان يدعو يوم بدر : « اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض أبدا » فأوحى إليه : من أين تعلم أنى لو أهلكت هذه العصابة لا « أعبد أبدا » ؟ ! فهذا هو الذنب المتقدم ، وأما المتأخر فيوم حنين ، فلما انهزم المسلمون قال لعمّه العباس ولابن عمه أبي سفيان : ناولانى كفا من حصباء الوادي » ، فناولاه ، فأخذ بيده ورمى به في وجوه المشركين ، وقال : « شاهت الوجوه حم ( حاميم ) ، لا ينصرون » ؛ فانهزم القوم عن آخرهم ، فلم يبق أحد إلا امتلأت عيناه رملا وحصباء ، فقال لأصحابه من بعد : « لو لم أرمهم لم ينهزموا » ، فأنزل اللّه تعالى :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
( الأنفال 17 ) ، فكان هذا هو الذنب المتأخر . وذلك إذن ما أنعم به اللّه تعالى على نبيّه في هذه السورة ، فلما ذكر ذلك عنه صلى اللّه عليه وسلم ، أتبعه بما أنعم به على المؤمنين ، فقال :
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 4 ) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً
( 5 ) ، فالمغفرة إذن شملت النبىّ صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين من أهل بيعة الرضوان ، فقد غفر لهم وكفّر عن سيئاتهم . وفي الآيات أن الإيمان يزداد وينقص ، وأن المؤمنين هم جنود اللّه في الأرض . وقابلت آيات الإحسان للمؤمنين آيات العذاب للمنافقين والمشركين ، ومن هؤلاء كانت منافقات ومشركات ، وعرّفهم - أي المنافقين والمنافقات - بأنهم الظانون باللّه ظن السوء ، وهؤلاء عليهم دائرة السوء : ظنوا أن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه سيلقون حتفهم في هذه الرحلة ، أو سيؤسرون ،