تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 636

مساهمون:

ص٦٣٦
المؤمنون من طيب العيش ، وما يعذّب به الكافرون ، وتنبّه إلى أن اللّه كان يمكن أن يطمس على أعينهم في الدنيا جزاء وفاقا ، ولكنه يتركهم ليطول عمرهم ، ويسوء حالهم ، ثم يكون الحساب في الآخرة . وتعرض الآيات للقرآن ، وتنفى أنه قول شاعر ، فما يجوز الشعر للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وإنما هو قرآن نذير ، يذكّرهم بنعمه تعالى عليهم ، ويلومهم على عبادة من لا يستطيعون نصرهم ، ويخاطب الرسول صلى اللّه عليه وسلم حتى لا يحزن عليهم ، فهذه هي حال الإنسان ، ما كاد يخلقه من نطفة حتى تحوّل خصيما له تعالى ، وتعلّل لجحده وإنكاره للبعث ، بأن العظام بعد أن تصبح رميما لا تدبّ فيها الحياة ، ونسي خلقه ، فقد كان حفنة من طين ، ونطفة من منىّ ، فصار ما هو عليه ، أفيعجز من صنعه أن يعيده سيرته الأولى ؟ وهو تعالى القادر ، يجعل من الشجر الأخضر نارا مع أنهما متناقضان ، وخلق السماوات والأرض ، فالسماوات في العلا ، والأرض في الدنا ، أفلا يستحق أن يسمّى الخلّاق والعليم ؟ وأمره فيما يخلق أن يقول له كن فيكون ، سبحانه . والسورة حافلة بالبراهين والأدلة على وجود اللّه وقدرته ، وبصور البلاغة ، وتكثر بها المطابقات والجناس والاستعارات ، وتستخدم منطق المتقابلات والمتناقضات ، كالماء يطفئ النار ، واقتداح النار من الشجر الأخضر ، وحال السعداء ونقيضه حال الأشقياء ، والموت ونقيضه الإحياء ، والإنذار كمقابل للإعذار ، وفيها الاستفهام الإنكارى للتوبيخ ، كقوله :
أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً
( 23 ) ، و
أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ
( 77 ) ، و
أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ
( 62 ) . ومن محاسن وعظمة البلاغة فيها القصة الموجزة لأهل القرية ، يقصد بها التذكير والاعتبار ، فلم يذكر اسم البلدة ، ولا اسم المؤمن بها ، ولا الرسل المبعوثين إليها ، فيحتمل أنها قرية بعينها ، وربما هي الدنيا بأسرها ، أرسل اللّه لأهلها موسى ثم عيسى ، وأخيرا محمد ، فما آمن إلا القليل . وفي السورة نفى عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم أنه يقول الشعر ، فما كان شاعر ، وما كان القرآن بشعر ، لأن الشعر كلام منمّق ، وكله خيالات ومبالغات ، وليس كذلك القرآن ، والشّعر أعذبه أكذبه ، والقرآن تنزّه عن مماثلة كلام البشر . * * *

618 . سورة الصافات

السورة مكية ، وآياتها اثنتان وثمانون ومائة ، وكان نزولها بعد سورة الأنعام ، وترتيبها في المصحف السابعة والثلاثون ، وفي التنزيل السادسة والخمسون ، وسميت « الصافات » لأنها بدأت هكذا :
وَالصَّافَّاتِ صَفًّا ( 1 ) فَالزَّاجِراتِ زَجْراً ( 2 ) فَالتَّالِياتِ ذِكْراً ( 3 ) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ ( 4 ) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ
( 5 ) ، وهذا قسم بالملائكة يذكر