تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 638

مساهمون:

ص٦٣٨
يستكبرون ويستعظمون أن يقولوا لا إله إلا اللّه ، وهم لذلك مسؤولون ، ومسئوليتهم أدبية وقانونية وجنائية ، يسألون عن أعمالهم في الدنيا من المعاصي والذنوب ، وعن أقوالهم في اللّه والبعث والحساب والرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ومن ذلك قولهم عنه إنه شاعر مجنون ، والشاعر يكون منظوم المعاني والألفاظ ، وينقض ذلك أن يكون مجنونا ، لأن المجنون تختلط عليه المعاني ولا تنتظم ألفاظه ، وتهمتهم له لذلك باطلة ، وداحضة ، ومغلوطة ، ومستقرهم النار ، هم وشركاؤهم وقرناؤهم ، والقرين هو الصاحب الملازم لصاحبه ، وتضرب السورة المثل بقرينين ، أحدهما من أهل الجنة ، والآخر من أهل النار ، وكان الذي من أهل النار لا يصدق بالبعث ولا الحساب ، ويسخر من قرينه لأنه كان من المصدّقين ، وكان يعجب أن يبعث من مات ، وأن تدبّ الحياة مرة أخرى في التراب والعظام . ويتمنى قرينه في الجنة أن يطّلع في النار ، وإذ يرى فيها قرينة المكذّب يحمد اللّه أنه نجّاه من غوايته ، ولولا ذلك لكان من أهل النار ، ولا يستوى نعيم الجنة وعذاب النار ، فالفواكه والثمار طعام أهل الجنة ، وشجرة الزقوم طعام أهل النار ، والزقوم في اللغة من التزقيم ، وهو البلع على جهد لكراهة طعم ثمر هذه الشجرة وفساد رائحته ، وإنها لشجرة غريبة تحيا بلهب النار ، كما تحيا الأشجار في الدنيا بعذب الماء ، ولم يصدق الكفار أن توجد شجرة كهذه بهذا التناقض ، فكيف يكون في أصل الجحيم شجر والنار لا تحرقه وتأتى عليه ؟ وكان أبو جهل يقول : أتدرون ما الزقوم ؟ إنه الزبد والتمر ! ويأتيهم بهما ويقول : تزقّموا هذا الذي يخوّفكم به محمد ! - فهذا هو وصف القرآن لشجرة الزقوم بأنها فتنة ، يعنى اختبار لتصديق المؤمنين ، ويصفها بأن طلعها - أي ثمرها كأنه رؤوس الشياطين ، ونحن لا نعرف كيف هي رؤوس الشياطين ، ولكننا نتصورها من وصف القرآن . واستبعاد الكفار لوجود شجرة كهذه ، جعل المنكرين يقولون إن بشاعة أوصاف النار ، وجمال أوصاف الجنة إنما لتجسيم العقاب والثواب ، وجعل ذلك بدوره الملاحدة في وقتنا يحملون النار والجنة على المعاناة النفسية أو الانشراح النفسي لما كان من كل إنسان في الدنيا من خير أو شر . وفي السورة أن كل إنسان ترجع خيريته أو شرّيته لنوع تربيته ، فلو لا أن وجد الضالون آباءهم على الضلال لما ضلّوا :
إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ ( 69 ) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ
( 70 ) ، إلا المؤمنين ، كانوا كذلك لأنهم مخلصون ، خلصوا من مؤثرات الشر ، ومن مورثاته في الدم والجهاز العصبى والمخ . والأنبياء أئمة المخلصين الذي أخلصوا لمعتقداتهم . وتضرب السورة المثل بثمانية أو سبعة أنبياء ، تروى أطرافا مما جرى لهم ، تسلية للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، ولأمّته ، وتحذيرا لمن كفر ، وهؤلاء السبعة هم : نوح ، وإبراهيم ، وإسماعيل الذبيح ، وموسى وهارون - وهم واحد