بالاعتبار ، لأن رسالتهما كانت واحدة - وإلياس ، ولوط ، ويونس . ولمّا غرق قوم نوح لم يبق إلا ذريته ، والشائع أن أهل الأرض من ذرية نوح ، من أولاده الثلاثة : سام ، وحام ، ويافث . وإذا كان إبراهيم هو أبو الأنبياء ، فإن نوحا كان طوق النجاة للمؤمنين ، فالسلام عليه في العالمين ، وكان إبراهيم من شيعته ، يعنى على منهجه وسنّته ، رغم أن بينهما نبيّين هما هود وصالح ، وسنين طويلة ، وتميّز إبراهيم بالقلب السليم ، وكان صاحب الشعار :
أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ
( 86 ) ، والإفك أسوأ الكذب ، تقبيحا على قومه أنهم في شركهم على الباطل يعبدون أصناما ينحتونها ، وأرادوا تحريقه فجعلهم اللّه الأسفلين ، وذهب عنهم مغاضبا يقول :
إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ
( 99 ) ، فكان ولوط ابن أخيه أول المهاجرين من الأنبياء ، ووهبه اللّه غلاما أنجبه في شيخوخته هو إسماعيل الذبيح ، لأنه بعد قصته معه في مسألة الذبح ، قال تعالى :
بَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ
( 112 ) ، فالبشارة بإسحاق كانت من بعد ، مكافأة لإبراهيم على تصديقه الرؤيا . وعند علماء التربية وعلم النفس فإن الأبناء أحد ثلاثة : إما إسماعيل بن إبراهيم : وقد انصاع لأبيه وقال له الجواب المشهور :
يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ
( 102 ) ، فهو المطيع ، دمث الخلق ، الحليم ؛ وإمّا ابن نوح : وهو العاصي الكافر : قال له أبوه :
يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ ( 42 ) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ
( 43 ) ( هود ) ، ووصفه اللّه تعالى بأقبح وصف لمّا ناداه نوح لينجّيه ، قال :
رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ( 45 ) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ
( 46 ) ( هود ) ؛ وإمّا ابن لقمان : المتلقّى عن أبيه الحكيم ، الواعي لوعظه ، والحافظ لحكمه ، كقوله تعالى :
وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
( 13 ) ( لقمان ) . وإسماعيل هو أرفع الثلاثة شأنا ، ففداه ، اللّه بذبح عظيم ، قيل هو عظيم لأنه من الجنة ، وترك اللّه عليه في الآخرين ، أي الذكر الحسن إلى يوم الدين ، وقال :
كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
( 105 ) . ومن ذرية إسماعيل كان العرب ، ومن ذرية إسحاق كان الإسرائيليون ، فمن هؤلاء وهؤلاء كان مؤمنين ومشركين :
وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ
( 113 ) ، وقيل : العرب هم الموصوفون بالإحسان ، وكانت منهم أمة الإسلام خير أمم الأرض طالما يتّقون اللّه ، وأمّا الإسرائيليون فهم الظلمة لأنفسهم ظلما بيّنا ، لأنهم قالوا زورا أنهم « أحباء اللّه » ، ففعلوا كل الموبقات ، وألّبوا الأمم على بعضها البعض ، وأشعلوا الحروب ، وفي الآية دليل على أن البرّ يلد الفاجر . وأما موسى وهارون