تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 631

مساهمون:

ص٦٣١
وفي إبطال أدلة التوحيد ، ويحسبون أنهم يفوتون على اللّه ، ويكذّبون من فرط إنكارهم ، كقولهم :
هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ
( 7 ) ، لأنه كان ينبئ بالبعث ، فنكّروه ، وأشاروا إليه كأنه مجهول يتكلم في أمر مجهول ، يقصدون السخرية منه والاستهزاء به ، وأخرجوه مخرج التحكّى ببعض الأحاجى ، يتضاحكون بها ويتلهون . وقوله :
مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ
( 7 ) يعنى بليتم في القبور ، وصرتم ترابا وعظاما نخرة وأشلاء ، والمزق خرق الأشياء . وقالوا في النبىّ صلى اللّه عليه وسلم :
أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ
( 8 ) ، والافتراء الاختلاق ، والألف المفتوحة للاستفهام ، « وبه جنّة » أي جنون فهو يتكلم بما لا يدرى ، مع أن اللّه تعالى كرّمه أحسن التكلّم ، وهو تعالى يشمل أنبياءه بكرمه ، من هؤلاء داود وسليمان ، وتقول السورة عن داود :
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ( 10 ) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ
، ونفهم أن الجبال والطير كانت تسبّح معه ، وتسبيحها يعنى ترجيعها ، وإلانة الحديد له تسخيره ، فكان داود يصنع منه الدروع السابغات ، ويقدّر في السرد ، أي يجمع فيها بين الخفة والثقل ، والسّرد هو نسج حلق الدرع ، وصانعه يقال له السرّاد والزرّاد ، والآية دليل على وجوب تعلّم أهل العقل الصنائع ، وأن التحرّف ( يعنى اتخاذ الحرف ) لا ينقص من قدر الكبراء بل يزيدهم فضلا ، وفي الحديث : « إن خير ما أكل المرء من عمل يده ، وإن نبىّ اللّه داود كان يأكل من عمل يده » . وأما سليمان فقال تعالى فيه :
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ ( 12 ) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ
( 13 ) فسخّر اللّه له الريح ، تغدو شهرا وتروح شهرا ، يعنى سخّرت له مرة كل شهر تحمله عليها ؛ وأسال له عين القطر ، أي النحاس ، فاستخدم الجن في صناعته محاريب وتماثيل وجفانا كالجواب ، وقدورا راسيات ؛ والمحراب الذي يصلّى فيه ؛ والتماثيل صور على مثل إنسان أو حيوان ؛ والجفان القدور ؛ والجواب جمع جابية ، أي القدر العظمة ، كأن تكون أحواضا ؛ والقدور الراسيات لثقلها فهي لا تنقل ، وكانت قدور عبد اللّه بن جدعان في الجاهلية من ذلك ، وكانوا يصعدون إليها بسلم ! ومعنى الآية أن سليمان - وكان يصنع التماثيل - لم يكن ضد الصور ، إلا أنه في التوراة نهى أن تعمل تماثيل للإله ، ومع ذلك الآية دليل على إباحة التماثيل طالما هي ليست للتعبّد . والحكمة في إزالة الصور في عهد النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، أنه بعث والتماثيل والصور تعبد ، فأمر بإزالتها ونهى عنها ؛ وأمّا الآن فالأمر مختلف ، ولا أحد يتعبّد الصّور ولا التماثيل إلا في المسيحية والبوذية . وفي قوله تعالى :
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ