يعنى مناسك الحج ؛ وليوفوا نذورهم ، وليطوّفوا . وللحج ثلاثة أطواف : طواف القدوم ، وطواف الإفاضة ، وطواف الوداع . وفي الحج يجتنب الرجس من الأوثان ، وقول الزور ؛ والرجس : هو ما يزيل الطهارة ؛ والوثن : هو الصنم ، والأصنام رجس لأنها نجس حكما وإن لم تكن نجسا وصفا ذاتيا . والزور : هو الباطل والكذب ، وفي الحديث : « عدلت شهادة الزور الشرك باللّه » أخرجه أحمد . وتعظيم الشعائر من تقوى القلوب ، والشعائر : جمع شعيرة ، وهي أعمال الحج والأضاحي التي مكان ذبحها منى أو الحرم . ولكل أمة منسك :
أي موضع تتردد عليه لعبادة اللّه ، وللذبح عنده ، شكرا له على ما رزقها من بهيمة الأنعام . وعلى المؤمنين أن يسلّموا بحقّه تعالى ، وأن يطيعوا له وينقادوا ؛ وللمخبتين البشرى : أي المتواضعين الخاشعين ، والخبت ما انخفض من الأرض ، وآية المخبتين أن يخافوا من الله تعالى ، وأن يرهبوا اسمه ، وأن يصبروا على ما يصيبهم ، وأن يقيموا الصلاة ، وينفقوا مما رزقهم ، وهذه أحوال العارفين باللّه . والضحايا في الحج : ليأكل منها أصحابها ، ويطعموا القانع والمعترّ ، والأول هو السائل ، يقنع قنوعا أي يسأل ، أو تقنع قناعة أي يتعفف ؛ والمعترّ هو الذي يعترّ ، يعنى يتعرض للناس ويطيف بهم سائلا أو ساكنا . والأضحية : من تقاليد أهل الجاهلية ، فكانوا يذبحون ويضرجون الكعبة بدماء الذبائح ، واللّه لا ينال من لحومها ولا دمها ، ولكن يناله التقوى من المضحّين ، فيعلون بدينهم ، وهؤلاء الذين يدفع عنهم قال :
إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا
( 38 ) ، ودفاعه تعالى بالحجة مع من تجدى معهم الحجة ، ومن لم تجد معهم أمر بقتالهم :
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ
( 39 ) ، فشرط قتالهم بأن الظلم قد حاق بهم ، وقيل هذه « آية القتال » تنسخ كل آيات القرآن في الصفح والإعراض والجدل بالحسنى ، وقيل هي أول آية نزلت في القتال ، والصحيح أنها لم تنسخ آيات الجنوح للسلم والمعاملة باللين ، فالقتال لا يجوز إلا في حالات معينة ، منها في هذه السورة : إخراج المسلمين من ديارهم بغير حق ، ولولا أن الله قد شرّع أحيانا القتال للأعداء ، لاستولى أهل الشرك على كل البلاد ، ولعطّلوا الشعائر ، وخرّبوا بيوت العبادة ، والجهاد ضرورة ، ولولاه لما بقي الدين ، وكأيّن من قرية ظالمة ومعادية للّه وأهلها مشركون إلا أهلكها اللّه ، ولقد كذّب أقوام نوح ، وعاد وثمود ، وإبراهيم ولوط ، وموسى ، وأصحاب مدين ، فأملى لهم اللّه ثم أخذهم ، فلعل في الرواية لقصصهم تسلية للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وهو النذير المبين ، وما أرسل اللّه رسولا ولا نبيا من قبله إلا وقد تمنّى لو يؤمن قومه ، ولكن الشيطان يلقى في أمنيته ، يريد أن يفسدها عليه ، ولكن اللّه ينسخ ما يلقى إليه الشيطان ، ثم يحكم آياته ، وفي ذلك