604 . المؤمنون
السورة في قول الجميع مكية كلها ، ونزلت بعد سورة الأنبياء ، وآياتها ثماني عشرة ومائة ، وترتيبها في المصحف الثالثة والعشرون ، وفي التنزيل الرابعة والسبعون . ولمّا قيل لعائشة : ما كان خلق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ قالت : أتقرءون سورة المؤمنين ؟ قيل : نعم .
قالت : اقرءوا - فقرئ عليها :
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
( 1 ) حتى
وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ
( 9 ) . - فهذه أخلاق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهي أخلاق المؤمنين المفلحين وقيل :
إن النبىّ أنزل عليه فسرى عنه بعد ساعة ، فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال : « اللهم زدنا ولا تنقصنا ، وارضنا وارض عنا » ، ثم قال : « أنزل علىّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة » ، ثم قرأ : قد أفلح المؤمنون » حتى ختم عشر آيات . ومن غريب القرآن أن هذه الآيات العشر عامة في الرجال والنساء ، والخطاب للمؤمنين وهم يشملون المؤمنات ، والسورة في أغلبها عنهم ، وتستهل باسمهم : « قد أفلح المؤمنون » فسمّيت باسمهم ، إشادة بهم وبأفضالهم . وفلاحهم :
هو فوزهم وسعدهم ، وشرطه لهم بست خصال : الأولى : الخشوع في الصلاة ، ومناطه القلب ، ولمّا نزلت الآية كان المسلمون يلتفتون في الصلاة ، فأقبلوا من بعدها على صلاتهم ينظرون أمامهم . والقلب إذا خشع خشعت الجوارح كلها لخشوعه ، والخشوع هو أول علم يرفع من الناس ؛ والثانية : الإعراض عن اللغو ، وهو الثرثرة فيما لا يجوز ولا طائل وراءه ؛ والثالثة : فعل الزكاة ، وهو أن تعمل ليكون لديك المال لتزكّى منه ، وهو أقوى من إتيان الزكاة ، و « الفعل » فيه إرادة وقصد ؛ والرابعة : حفظ الفروج ، وذلك عام في الرجال والنساء إلا على الأزواج ، ويقتضى ذلك تحريم الزنى ، والاستمناء ، ونكاح المتعة . والاستمناء هو استفعال المنىّ ، وكان ابن حنبل يجوّزه ويشبّهه بالفصد والحجامة ! ! ونكاح المتعة : هو الزواج لأجل ، والمرأة كالمستأجرة ! ولا حقوق فيه لها ، وهو ضد الشرع . وسمّت السورة من نكح ما لا يحل له عاديا وأوجبت الحدّ عليه لعدوانه ، ومن ذلك اللائط ، فهو عاد قرآنا ولغة ، بدليل قوله تعالى :
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ
( 166 ) ( الشعراء ) ؛ والخامسة : مراعاة الأمانة والعهد ، وفيهما يجتمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه قولا وفعلا . والأمانة أعمّ من العهد ، وكل عهد فهو أمانة ؛ والسادسة : المحافظة على الصلاة ، والصلاة عمود الدين ، ومن أقامها فقد أقام الدين . وهؤلاء المؤمنون هم الوارثون للجنّة ، وجنة الوراثة : هي هذه الجنّة التي يرثونها ، وهي الفردوس ، أعلى الجنة . ثم تعرض السورة لدلائل قدرة اللّه ، فتناولت خلق الإنسان من سلالة من طين ، والسلالة هي النطفة تسلّ من شئ ، والسلالة أيضا صفوة الماء وهو المنى ؛ وأصل آدم من طين خالص ، وأما ولده فمن طين ومنّى ، ثم ينفخ اللّه فيه من