وحرّقوه بالنار ، فكان « تحريقه أول تحريق
holocaust
أو
auto - da - fe
في التاريخ ، وقضى اللّه أن تمنع هذه المهزلة ، ويرفع هذا الظلم ، فعطّل قانون النار ، فتحوّلت إلى الضدّ
بَرْداً وَسَلاماً
( 69 ) ، ونجّاه ولوطا وأوعز إليهما أن يهاجرا ، فكانا أول من هاجر من الأنبياء ، وارتحلا بعائلتيهما إلى أرض فلسطين ، وكان لوط من المؤمنين بإبراهيم ، وكافأ اللّه إبراهيم فوهبه على الكبر إسحاق ، وأنجب إسحاق يعقوب ، وكلاهما كان نبيا ، وكافأ لوطا فجعله نبيا ، ولوط هو ابن أخي إبراهيم ، وهؤلاء كانوا الأئمة أو الآباء ، أو البطارقة
patriarchs
الهداة الأولين . وامتحن اللّه لوطا بقريتىّ سدوم وعامورة ، ونجّاه وأهله وأغرق قوم السوء .
ومن الأنبياء داود وسليمان : آتاهما اللّه الحكم والعلم ، فقضيا في أصحاب الحرث والغنم ، وفضّل اللّه سليمان فكان حكمه هو الأفضل . ومنهم أيوب : وكان من الصابرين ، فكشف اللّه ضرّه ، وآتاه أهله ومثلهم معهم ، رحمة به وذكرى للعابدين . ومن الصابرين : إسماعيل ، وإدريس ، وذو الكفل ، وكانوا صالحين . وذو الكفل هو اليسع ، سمّى كذلك لأنه تكفّل بأن يدخل الجنة من يؤمن باللّه ، وقيل هو زكريا ، سمّى ذا الكفل لكفالته لمريم . ويونس : وكان من المؤمنين ، وسمّى ذا النون ، لأن النون - أي الحوت - ابتلعه . ومن دعائه المستجاب في ظلمات بطن الحوت :
لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
( 87 ) ؛ وزكريا وزوجته : وكانا من الخاشعين ويسارعان في الخيرات ، ويدعوان ، اللّه رغبا ورهبا ، فآتاهما يحيى على كبر ، وكان يحيى سيدا وحصورا ، ولم يكن له من قبل سميا . ومريم البتول :
وابنها عيسى الذي جعله اللّه آية وأعجوبة للخلق ، وأوجده دليلا على قدرته تعالى . وهؤلاء الأنبياء دعوا جميعا إلى اللّه ، فالذين آمنوا كانوا أمة واحدة هي أمة لا إله إلا اللّه ، غير أن الناس اختلفوا وتفرّقوا في الدين ، وسيظل اختلافهم إلى يوم الساعة عندما تفتح يأجوج ومأجوج ، فينسلون من كل حدب لكثرتهم ، ويحشرون في أرض الموقف ، ثم يوردون جهنم ، وهم لها حصب وما يعبدون ، وينجّى اللّه من سبقت له الحسنى ، وكما بدأ الخلق يعيده ، وتطوى السماء كطىّ السجل للكتب ، وما كان إرسال محمد إلا رحمة للعالمين ، وما كان قوله « لا إله إلا اللّه » ، إلّا بوحي بها إليه منه تعالى . واللّه أعلم بالساعة ، ويعلم الغيب وما يكتمون ، ولا يرث الدنيا والآخرة إلا عباد اللّه الصالحون ، وهذا بلاغ للعابدين ، لم يخصّ منهم أحد دون أحد ، ولعل إمهاله تعالى للناس ، وتأخيره عقابهم ، امتحان لهم ليرى صنعهم ، وليمتّعوا في الدنيا إلى حين ، ثم يأتيهم عذابه الأليم . وتختتم السورة بأمر اللّه لنبيّه صلى اللّه عليه وسلم أن يدعو ربّه :
رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ
( 112 ) ، وأن يكون جوابه للمكذّبين في نهاية المطاف :
وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ
( 112 ) . والحمد للّه ربّ العالمين . .
* * *