تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 595

مساهمون:

ص٥٩٥
روحه فيكون خلقا آخر ، ويكون له النّطق والإدراك وتحصيل المعقولات ، فتبارك اللّه أحسن الخالقين ، فذلك دليل من أدلة قدرته تعالى ، ومن هذه الأدلة خلق السماوات السبع ، والمطر ينزل بقدر ، وينمو به النخيل والأعناب والفواكه والزروع ، وشجرة الزيتون المباركة التي تنبت من طور سيناء ، وفيها الزيت دهانا للعلاج ، وغذاء للناس ، والأنعام وألبانها ، والمراكب في البحار . وتستطرد السورة إلى بعض قصص الأنبياء الذين أبلوا بلاء حسنا وصبروا على الأذى ، لعل فيها تسلية للرسول وللمؤمنين ، كنوح ، وهود ، وصالح ، وشعيب ، وموسى ، وعيسى وأمه ، فكان كلّ منهم يكرر نفس الدعوة ، ونفس الكلام بلا فائدة ، ويأتي الجواب على كل دعوة بنفس الألفاظ والدفوع ، فنوح قال : يا قوم :
اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ
( 23 ) ، وهود قال :
اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ
( 32 ) وهكذا ، وكل قوم يكذّبون بنفس الدفوع : أن النبىّ المزعوم هو بشر مثلهم ، وأن البعث مستحيل ، وأنه من أساطير الأولين ، وأن الداعي كذّاب يفترى على اللّه ، ومجنون به جنّة ، فاستحقوا أن ينزل بهم العذاب . وكان المعترضون دائما « المترفون » ، ومات من مات بطوفان نوح ، وبالصيحة عند عاد وثمود ، والصيحة تعنى أن يتجاوز الصوت حدّ القدرة على التحمّل ، ومن شأنه حينئذ أن يدمر ما يصله ؛ وعند موسى مات آل فرعون غرقا ؛ ولجأ عيسى وأمه إلى ربوة ذات قرار ومعين ، قيل هي الكنيسة بتعبير بطرس أحد الحواريين . وما أمر المؤمنون إلا بما أمر به الرسل : أن يأكلوا من الحلال ويتجنبوا الحرام ، وأن لا يعادى بعضهم بعضا ، فالدين واحد والربّ واحد :
هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ
( 52 ) ، إلا أنهم افترقوا ، وجعلوا الدين الواحد أديانا ، والافتراق في الفروع طبيعي ، ولا يوجب تعديد الملل ، وإنما الافتراق المحذور منه هو الذي موضوعه أصول الدين وقواعده . ومن افتراقهم أن وضعوا الكتب واتّبعوها ، وحرّفوا التوراة ووضعوها وضعا ، وألّفوا الإنجيل تأليفا ، وما هم فيه من مال وبنين ليس عن رضا اللّه عنهم ولكنه استدراج وإملاء ؛ وأما المؤمنون : فلهم علامات أربع : يخشون ربّهم ، ويؤمنون بآياته ، ولا يشركون باللّه ، ويتّقونه ويخافون أن لا تقبل تقواهم ، وأولئك هم المسارعون في الطاعات ، والسابقون إليها ، واللّه لا يكلف نفسا إلا وسعها ، وكل ما يفعلون في كتاب الإحصاء للأعمال . وأما الكافرون فهم في غمرة وغفلة وعماية ، وأعمالهم دون ذلك ، وكلهم « مترفون » ، وفي يوم القيامة يعذّبون ، وكانوا من قبل يستأخرون كلما تلا عليهم القرآن ، وكانت لهم مسامرات ومجالس أباطيل وكفر ، يهجرون فيها ، أي ينطقون بالفحش ، فإما أنهم لم يدبّروا آيات القرآن ، أو أن ما جاء به كان جديدا عليهم تماما ولم يأت مثله لآبائهم ، أو أنهم لم يعرفوا رسولهم فهم في شكّ منه ، أم أنهم يظنون به الجنون ؛