يوم القيامة ، وتتطرّق إلى سؤال قريش للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم عن الجبال في ذلك اليوم ، ويضرب المثل بالجبال ونسفها على وصف الهول في ذلك اليوم ، والذي لا شفاعة فيه إلا لمن أذن له الرحمن ، ومقصوده من كل هذا السرد عن القيامة ، هو توعّد من يكفر بعد ما جاءه من العلم مما بيّنه القرآن وأنزله اللّه تعالى لذلك بالعربية ، وأمر نبيّه أن لا يتعجّل قراءته من قبل أن يقضى إليه ، ويضرب له المثل بآدم الذي تعجّل فأطاع إبليس ونسي ما وصّاه به ربّه ، وتروى السورة طرفا من قصة آدم ، وتسوق الآيات لعل فيها الهدى للناس ، وتنذرهم بأن من يعرض عمّا فيها فإن معيشته تسوء ، بسبب اختياره الطريقة الدنيا على طريقة القرآن ، وتشبّهه بمن يؤتى البصر في الدنيا ويحرم البصيرة ، فيحشر في الآخرة بلا بصر ولا بصيرة ، فهذه حال كل من يسرف ولا يؤمن ، وله المثل فيمن سبقه من الأمم ، لعله يتّعظ بهم .
وتنتهى السورة ببعض الوصايا للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم وللمؤمنين : أن يصبروا على تشنيعات الكافرين والمكذّبين والمتعنّتين ، وأن يشغلوا أنفسهم بذكر اللّه ، وأن لا يتمنوا ما في أيدي غيرهم من النّعم ، فرزق اللّه خير وأبقى ، وأنه على المسلم أن يأمر أهله بالصلاة ويصطبر عليها ، وأن يحفظ ما جاء في هذه السورة ، فهي خير من كل آية مادية من آيات الكون والدنيا التي يطلبها الكفار كبرهان على صدق النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وهذه كتب الأولين قبل القرآن تشهد بذلك ، ولو أن اللّه حاسبهم على ما طلبوا كما حاسب من سبقوهم لأهلكهم ، ولقالوا :
ما لنا ومن سبقونا ؟ لولا أرسل اللّه لنا رسولا خاصا بنا فنتّبع آياته ؟ ! وها هو الرسول قد جاءهم فلم لم يتّبعوا ما جاء به ؟ ولم لم يؤمنوا ؟ وتختتم السورة بأروع بيان :
قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى
( 135 ) فهذه هي سورة طه التي أسلم بسببها عمر بن الخطاب ، قمة في الحكمة والقصّ ، ودعوة إلى التدبّر والتفكّر .
وللّه الحمد والمنّة .
* * *
602 . سورة الأنبياء
السورة مكية ، وآياتها اثنتا عشرة ومائة ، وكان نزولها بعد سورة إبراهيم ، وترتيبها في المصحف الواحدة والعشرون ، وفي التنزيل الثالثة والسبعون ، وتعتبر من السور العتاق الأول ، مثلها مثل مريم ، وطه ، والكهف ، وتبدأ بداية غير معهودة ، تقول :
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ( 1 ) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ( 2 ) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ
( 4 ) وفي هذه الآيات موجز للسورة جميعها ، فكما يوحى اسمها فإنها عن