داود أبيه ( 1 / 33 ) ، فذلك لأن المسيح كان يقال له يسوع بن يوسف ( يوحنا 1 / 45 ) ، ويوسف من بيت داود كما ذكرنا ، فنسبوا المسيح إلى أصول زوج أمه ، كما نسبوا مريم إلى أصول زوجها ، وهذا كله خطأ ويشيع الاضطراب في الأنساب . ورواية القرآن إذن أصدق الروايات ، وسورة آل عمران هي أصدق ما قيل في حقيقة نسب مريم . وبعد أن تفصّل السورة مآثر كل نبىّ ممن ذكرتهم تفصيلا أو إجمالا واستغرق الحديث عنهم نحو ثلثي السورة ، يبين أن الغرض هو إثبات أن الرسالة واحدة ، وتلك ميزة القرآن على التوراة والأناجيل ، فالأناجيل ألغت ناموس موسى ، والنصارى اختلفوا من بعده حول طبيعته : أهو من طبيعة إلهية محضة ، أو إلهية بشرية ؟ :
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ
( 37 ) ، فالويل لهم من يوم عظيم . وتورد السورة قصة تأخر الوحي على النبىّ صلى اللّه عليه وسلم مدة تقرب من الأسبوعين إلى أن تنزّلت الآية :
وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ( 64 ) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا
( 65 ) ، ومعنى هل تعلم له سميا ؟ أنه لا نظير له ، لا المسيح ولا غيره ، ولا يمكن أن يكون له ابن ، وليس له « اسم ذات » سوى أنه اللّه . وتأتى في السورة آية :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا
( 71 ) والورود : هو الدخول ، لا يبقى برّ ولا فاجر إلا يدخل النار ، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما ، كما قال تعالى في بقية الآية :
ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا
( 71 ) كما قال :
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ
( 101 ) ( الأنبياء ) . وفي السورة أيضا قصة العاص بن وائل مع خبّاب بن الأرت ، فكان لخباب عند العاص دين ، رفض أن يدفعه العاص إلا إذا كفر خبّاب بمحمد ، فقال له خبّاب : لن أكفر به حتى تموت ثم تبعث . قال : أو إني لمبعوث من بعد الموت ؟ فسوف أقضيك إذن حين أبعث ! ووقتها سيكون لي المال والولد ! قالها ساخرا هاذئا مكذّبا ، فنزلت الآية :
أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً ( 77 ) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ( 78 ) كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا ( 79 ) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً
( 80 ) ، وهو الردّ المفحم ، وفيه الوعيد لأمثال العاص . وتختتم السورة كما بدأت ، فكانت بدايتها عن الولد ، ونهايتها نفى أن يكون عيسى ابن اللّه ، وهي فرية تكاد تنفطر منها السماوات وتنشق الأرض ، فما ينبغي للّه أن يكون له ولد ، وكل من في السماوات والأرض هم عباده ، وكلهم آتية يوم القيامة فردا ، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم ودّا ، وما كان هذا القرآن إلا ليبشر المتقين وينذر الظالمين ، وكم أهلك اللّه من أمم جحدت ، فأسقطهم التاريخ من حسابه فما عاد لهم ذكر . ومن التعابير الجميلة في السورة من أدب