الكتابة والقراءة ما كانت الحضارة ، ولا كان التاريخ ، ولما عرف الإنسان اللّه ، فالحروف المقطّعة في أوائل بعض السور تنبيه إلى هاتين الآيتين - الكتابة والقراءة ، كالتنبيه إلى آياته الكونية في بعض السور الأخرى . وسورة طه نزلت قبل إسلام عمر ، وكانت سببا في إسلامه ، فذلك من بركاتها ، وفي الخبر أنه خرج يوما يريد أن يقتل محمدا الذي كان يطلق عليه « هذا الصابئ » يعنى المرتد عن دينه ، لأنه في زعمه فرّق أمر قريش ، وسفّه أحلامها ، وعاب دينها ، وسبّ آلهتها ، فقيل له : إن ختنه وأخته قد صبوا ، فتوجه إلى بيت أخته ، وكان عندها خبّاب بن الأرتّ يقرأ لها ولزوجها سورة طه ، ودنا من البيت فسمع هينمة القراءة ، فلما أحسّوا به اختبأ خبّاب ، وبطش عمر بختنه ، وضرب أخته فشجّها ، ثم رقّ لها فطلب أن يرى الصحيفة ، وكان يعرف القراءة ، فأعجبه الكلام فقال : ما أحسن هذا الكلام وأكرمه ! وقال له ختنه سعيد بن زيد : يا عمر ، واللّه إني لأرجو أن يكون اللّه قد خصّك بدعوة نبيّه ، فإني سمعته أمس يقول : « اللهم أيّد الإسلام بأبى الحكم بن هشام ، أو بعمر بن الخطّاب » ، فاللّه اللّه يا عمر . فقال عمر : فدلّنى يا خبّاب على محمد حتى آتيه فأسلم .
وتبدأ السورة بحسن استهلال ، لتسلية النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، بقوله تعالى :
ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى
( 2 ) ، وتنبّه إلى رسالة القرآن ، وأنها للتذكرة باللّه تعالى ، وتصفه بصفات الوحدانية ، ثم تستطرد في تسلية الرسول صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين ، بأن تقصّ أطرافا من قصة موسى ، وتستهلها بالتشويق والحثّ على الإصغاء ، تقول :
وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى ( 9 ) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ
( 10 ) ، وفي القصة الكثير من المصطلحات ، مثل : « الوادي المقدس طوى » ، و « عصا موسى » ، و « حيّة موسى » ، و « يوم الزينة » ، و « جنّات عدن » ، و « السامري » ، و « لا مساس » ، و « الشفاعة » ؛ والكثير من الحكم والأمثال والأدعيات ، مثل :
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى
( 17 ) ، و
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ( 25 ) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ( 26 ) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي ( 27 ) يَفْقَهُوا قَوْلِي
( 28 ) ،
وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي
( 39 ) ،
وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى
( 47 ) ، و
رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
( 50 ) ، و
مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى
( 55 ) ،
وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى
( 61 ) ،
وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى
( 63 ) ، و
لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى
( 68 ) ، و
وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى
( 69 ) ، و «
إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ
( 71 ) ،
فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا
( 72 )
وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى
( 73 ) ،
وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى
( 84 ) ، و
يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي
( 94 ) ، «
وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً
( 102 ) ، ويتأدّى السرد في القصة إلى وصف