ذلك شئ إلا الصالحات ، وهي عند اللّه خير ثوابا وخير أملا ؛ والمثل الثالث : مثل مآل المتكبّر والمغرور المتغطرس ، وهو إبليس الملعون وما كان من أمره مع آدم عندما رفض السجود لخلق اللّه ، فكان أن فسق عن أمر ربّه ، فباء بالخسران المبين . وهذه القصص والأمثال عظات وعبر للمؤمنين ، وما أظلم من يذكّر بها فيعرض عنها وينسى ما قدّمت يداه . وهذا القرآن الذي احتوى على هذه القصص والأمثال ، يبشّر المؤمنين وينذر الذين قالوا اتخذ اللّه ولدا ، إن يقولون إلا كذبا ، وما كانت الحياة على الأرض إلا ليبلو اللّه تعالى الناس أيهم أحسن عملا ، ويوم القيامة يجعل ما على الأرض من زينة حطاما وركاما .
وقصة أصحاب الكهف ، وبقية القصص والأمثلة ، لتسلية النبىّ صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين ، ورفع معنوياتهم ، لكي يصبروا ويصبر نبيّهم معهم وهم الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ، ويحمد الرسول صلى اللّه عليه وسلم ربّه أنه لم يمتّه حتى أمره أن يصبر نفسه معهم ، فقال مقالته المأثورة : « معكم المحيا ومعكم الممات » وتبشّر السورة الذين آمنوا وعملوا الصالحات بجنات عدن - أي جنات الإقامة ، وتؤكد على رسالة الرسل ، وأنه ما كان إرسالهم إلا مبشّرين ومنذرين ، وأنه تعالى الغفور ذو الرحمة ، وأنه لو يؤاخذ الناس بما كسبوا لعجّل لهم العذاب ، وأن الأخسرين أعمالا هم الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا ، وأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات الفردوس ، والفردوس : هي سرّة الجنة ، وليس في الجنات جنة أعلى منها ، وقيل : هي نزل الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر . وهذه السورة - والقرآن جميعه - حافلة بالمواعظ ، وما تنتهى مواعظ اللّه ، ولو كان البحر مدادا لكلماته تعالى لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته ومواعظه . وما محمد صلى اللّه عليه وسلم إلا بشر مثل الناس وإنما يوحى إليه بهذا القرآن العظيم وتختتم السورة بالآية الكريمة :
فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً
( 110 ) ، قيل هي آخر آية نزلت من السماء ، وآخر ما ختم به القرآن . فللّه الحمد والمنّة ، ونسأله تعالى أن يحيينا ويميتنا على كتابه وسنّة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، اللّهم آمين .
* * *
600 . سورة مريم
السورة مكية إلا الآية :
أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا
( 58 ) ، والآية :
ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا
( 72 ) . وعدد آيات السورة ثمان وتسعون آية ، منها أربع وثلاثون آية عن مريم وابنها عيسى ، أي نحو ثلث