تعالى :
وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ
( 121 ) ، يعنى أن هذه القصص لتعين النبىّ صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين على الصبر على ما ينالهم من الأذى بسبب إيمانهم باللّه ، وما أكثر ما يحتاج المسلمون إلى هذه القصص الآن في هذا الزمن الذي اضطهدوا فيه أبشع اضطهاد حتى في بلاد الإسلام ، ليزدادوا تثبيتا ويقينا ، وتشدّ بها قلوبهم ، ويصبّرون حتى لا يلحقهم الجزع . وقوله :
« وجاءك في هذه الحق » أي في سورة هود جاءك القصص الحق ، أن فيها أخبار الأنبياء والجنّة والنار ، وخصّها اللّه تعالى بالذكر وإن كان الحق في كل القرآن ، وفيها عظة وذكرى للمؤمنين ، وهذا تشريف لهذه السورة ، لأن غيرها من السور قد جاء فيها الحق والموعظة والذكرى ، ولم تخصّص أيا منها كما خصصت سورة هود . وقصة نوح في السورة هي أولى القصص ، ونوح هو الأب الثاني للبشرية ، وكان أطول الأنبياء عمرا ، وأكثرهم بلاء وصبرا ، وأول من قيل له كيف تكون نبيا وأنت لست سوى بشر ؟ وما نرى إلا أن الأراذل اتّبعوك ! ؟
والأراذل : هم الفقراء من الطبقات الكادحة ، فعابوه وعابوهم . من حيث لا عيب فيه ولا فيهم ، لأن الأنبياء عملهم أن يأتوا بالبراهين والآيات ، وليس عليهم تغيير صور الناس وهيئاتهم ، ويرسلون إلى الناس جميعا ، إلا أن فقراء الناس هم الأسرع إلى الإيمان ، وهؤلاء الفقراء لشدة بؤسهم هم أول المتّبعين للرسل ، وهم جمهور المؤمنين بهم وسوادهم ، لأن الكبراء تستولى عليهم دائما الرئاسة ، ويصعب عليهم الانفكاك عنها ، وفيهم أنفة من الانقياد للغير ، وأما الفقراء فهم خليّون عن تلك الموانع ، ويسارعون إلى الإجابة والانقياد ، وهذا غالب أحوال أهل الدنيا ، فإذا أسلموا لا يلحق الأنبياء منهم نقصان ، لأن عليهم أن يقبلوا إسلام كل من يظهر الإسلام . واشتهر نوح بالطوفان ، وبأنه صانع الفلك ، ونجّاه اللّه ومن معه وأهله إلا ابنه ، وقال اللّه :
إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ
( 46 ) ، وقيل : لم يكن ابنه وهو وقد كفر بأبيه ، وهو في الآية قال :
إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي
( 45 ) ، فهو ابنه على الحقيقة ، وقيل : كان ابن امرأته ولم يكن ابنه ، وقيل : بل لم يكن ابنه لأنه قد جاء عن امرأته وامرأة لوط :
« فَخانَتاهُما ( 10 ) »
. ( التحريم ) ، ومع ذلك فإن الخيانة لا تعنى أن يكون الابن ولد سفاح كما يزعم المرجّفون ! !
وقصة هود هي القصة الثانية ، وبها سمّيت السورة « سورة هود » : أرسله ربّه إلى قوم عاد ، وكانوا أتباع كل جبّار ، فجحدوا بآيات اللّه ، وعصوا رسله ، فجاء أمره ونجّى هودا والذين معه من العذاب الغليظ بالريح العقيم . وقول هود :
تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها
( 56 ) ، اتخذه القدرية برهانا على صدق مذهبهم ، فقالوا