تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 566

مساهمون:

ص٥٦٦
الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فمات عمه أبو طالب وهو الذي كان يجيره ويحميه ، وماتت زوجته خديجة ، وهي التي كانت له بلسما في حنانها وحدبها وطهرها ، فخففت السورة من وقدة الشدائد ، ومن وحشة الدار بلا زوجة ، وكانت تسلية للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم - وكل قصص الأنبياء كانت لتسليته والتخفيف عنه ، إلا سورة يوسف فكانت فرجا بعد شدة ، فلقد كادوا ليوسف حتى بيع وامتهن ، وعانى ضروب الأسر ، وما يزال قلبه يتوجع مما لحقه من إخوته ، وإذا بامرأة ، ملتاعة تتهمه ، ويلقى به في السجن ، ويتّهم في شرفه ، ويمتحن في دينه ، فيستمسك بإيمانه ، ويصبر على بلائه ، ثم إن الناس تحتاجه لعلمه فيخرج من سجن كان يعيش فيه في جبّ تحت الأرض ، إلى قصر منيف ، يتبوأ فيه أعلى المناصب ، ويتحكم في أقدار الناس ، ويشرف على خزائن المال والغلال ، وهكذا يدلل اللّه على أنه لا ينسى أولياءه ، وأن للصابرين حسن مآب ! وقيل : أنزل القرآن على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتلاه على المسلمين زمانا ، فقالوا : لو قصصت علينا ؟ فنزل :
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ
( 3 ) ، وكانت سورة يوسف من سور القصص ، غير أن أقاصيص الأنبياء ظلت تتكرر في القرآن بمعنى واحد في وجوه مختلفة ، وبألفاظ متباينة على درجات البلاغة ، إلا سورة يوسف لم يكررها ، فمع ذلك لم يقدر مخالف على معارضة ما تكرر من القرآن ولا ما لم يتكرر منه لا ، وكان الإعجاز في الحالين . كما قال تعالى :
لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
( 111 ) ، أي كان في قصة يوسف وأبيه وإخوته فكرة وتذكرة وعظة لأصحاب العقول ، وما كانت حديثا يفترى ولكنها متوافقة مع ما جاء منها من قبل في التوراة وسائر كتب اليهود ، مع فارق أن قصة القرآن كانت بكل التفاصيل ، رحمة لمن يقرأها ، وهدى لمن يعتبر بها . وهذه التفاصيل هي التي صنعت الفرق بين قصة القرآن وقصة التوراة ، وفي هذه القصة الأخيرة - قصة التوراة - لم يدع يوسف إلى اللّه كدعوته في القرآن وهو في السجن ، ولما ولى الأمر بحسب قصة التوراة - تسلّط وبغى ، وجاء إخوته إليه فاتّهمهم بأنهم جواسيس وحبسهم ثلاثة أيام ، واعتاد يوسف السّكر ، واحتال حتى اشترى الأرض الزراعية كلها من الناس ، ثم باعهم الطعام لقاء كل ما يملكون ، حتى حياتهم نفسها ، وكانت فترة حكمه من أسوأ الفترات . ولم تجر قصة يوسف في ممفيس من أرض مصر ، وإنما في أرض جاسان من مصر ، وهي محافظة الشرقية الآن ، وأسماء العزيز ، وفرعون ، وزليخا ، وفوطيفار التي أوردتها قصة التوراة ، كلها أسماء أجنبية على المصريين ، وكان ذلك أيام حكم الهكسوس لمصر ، وكانوا آشوريين ، وقيل فيهم