خلقه على التأنّي في الأمور . وقبل السماوات والأرض كان الماء ، فهو الأسبق في الخلق .
ومع البعث يكون الحساب والعقاب والثواب . وقد يستعجلون العقاب ويتساءلون : وما ذا يؤخّره إلى أمة معدودة ؟ والأمة هي الجماعة ، عبّر بها عن السنين والمدة ، لأن الأمة تكون فيها والأمم لها آجال ، ولكل أمة عمر ومدة ، وحين وزمان ، والتاريخ ليس سنوات تنقضى ولكنه أحداث تعرف بها السنين ، والعذاب مؤجل إلى الآخرة ، والآخرة موعده المحتوم .
فلعل الرسول صلى اللّه عليه وسلم لعظم ما يراه من الكفر والتكذيب ، يتوهم أنهم يزيلونه عن بعض ما هو فيه ، فيضيق به صدره ، وقد كانوا يطلبون منه لو ينزل إليه كنز ، أو يصحبه ملك ، وما هو إلا نذير يتنزّل عليه القرآن بعلم من اللّه وبوحيه . والقرآن في مجمله كتاب يشرح الإسلام ، ويثبت أنه « لا إله إلا اللّه ، وأن محمدا رسوله إلى الناس » ، ويشهد القرآن على رسالته ، والقرآن بدوره تشهد التوراة قبل تحريفها وتزويرها على صدقه ، والتوراة سابقة في النزول على القرآن ، وكان نزولها رحمة على المؤمنين بها ، وكذلك القرآن ، صار الكتاب الإمام في الدعوة إلى اللّه ، وكان رحمة لمن يؤمن به ، ومن يكفر به من الأحزاب - أي سائر الملل ، فالنار موعده ، ولا محل شك في القرآن ، وهو الحقّ من اللّه .
وتقسم السورة الناس إزاء الدعوة إلى فريقين : فالكافرون : هم الذين كفروا بربّهم ، وصدّوا عن سبيله ، وعدلوا بالناس عن الحق إلى المعاصي والشرك ، وجحدوا الآخرة ، فخسروا أنفسهم ، وضلّ عنهم ما كانوا يفترون ؛ والمؤمنون : هم الذين أخبتوا إلى ربّهم - أي خشعوا له وخضعوا ، وعملوا الصالحات .
والفريقان - الكافر والمؤمن - كمثل رجلين ، أحدهما أعمى وأصم ، والآخر سميع وبصير ، هل يستويان مثلا ؟ والكافرون يوم الآخرة هم فريق الأشقياء ، وهم في النار ، والمؤمنون هم فريق السعداء ، ومكانهم الجنة خالدين فيها .
وتقص سورة هود القصص عن بعض الأنبياء ، ممن عانوا في الدعوة ، وعن بعض الأقوام جميعهم كانوا مثلا في الجحود والإنكار . وقصصهم من الواقع ، وآثارهم تدل عليهم ، وبعضها ما يزال قائما ، وبعضها أصابه البلى والتلف الشديد ، ولكنه ما يزال هناك ، كجذور الزرع بعد حصده ، ما تزال تعلق بها التربة . وتمتلئ هذه القصص بتفاصيل لا يوجد مثلها في كتب الأقدمين ، بل إن أنبياء كشعيب وصالح وهود لا وجود لهم البتة ، لا في كتب اليهود ، ولا في كتب النصارى ، حتى أن المستشرقين ليعجبون : ما ذا كانت مصادر محمد التي استعان بها وعرف منها قصصهم ؟ وما كان محمد مؤلف قصص ولا قصّاصا ، ولكن كان رسولا نبيا يوحى إليه من ربّ العالمين . وفائدة القصّ القرآني كما قال
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 562
مساهمون: عبد المنعم الحفني
ص٥٦٢