نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
( 64 ) ، والكلمة السواء :
هي الكلمة العادلة المنصفة ؛ فرفضوا دعوته ، وتركوا المكان منصرفين إلى بلادهم ، يعبدون عيسى والقديسيين والرهبان ، على أن لا يقولوا لا إله إلا اللّه !
وتعرّضت سورة آل عمران لقصة مريم ، وكيف نذرتها أمها للّه ، وكفلها زكريا ، وتقبّلها ربّها بقبول حسن ، وكيف دعا زكريا ربّه أن يرزقه الولد ، وكانت ولادة يحيى معجزة كولادة عيسى ، فعيسى ولد من غير أب ، ويحيى ولد وأبوه كهل وأمه عاقر . ومريم وزكريا ويحيى من المصطفين ، أي المختارين ، واصطفيت مريم على نساء العالمين لولادة عيسى ، وطهّرها اللّه استقبالا لهذا الحدث الجليل ، وكانت من القانتات والمصلّيات ، وسرد القرآن لقصتها بما لم تقل به الأناجيل ، دليل على صدق نزول القرآن من عند اللّه ، فمن أين كان يعلم النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بهذه التفاصيل إن لم يكن راويها هو اللّه تعالى ، العالم بكل شئ حتى خفايا الصدور ؟ وعيسى تكلّم في المهد إعجازا لقومه وإثباتا لنبوته ، ولما شبّ وكبر وتهيأ للرسالة دعا بني إسرائيل ليؤمنوا باللّه ، وكانت آياته لهم ست آيات : أن يخلق لهم من الطين كهيئة الطير وينفخ فيه فيكون طيرا بإذن اللّه ؛ ويبرئ الأكمه - وهو الأعمى بالميلاد ؛ والأبرص ؛ ويحيى الموتى بإذن اللّه ؛ وينبؤهم بما يأكلون ؛ وبما يدّخرون في بيوتهم . واختار عيسى لنفسه أنصارا سمّاهم الحواريين ، وكانوا اثنى عشر ؛ والحوارى : هو التلميذ الذي يتلقى العلم على معلّم يعلمه بطريقة السؤال والجواب ، وكانت هذه هي طريقة المسيح ومنهجه في الدعوة . وقوله تعالى في عيسى :
إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
استحضار لما سيجرى لعيسى ، ووعد منه تعالى بنصرته ونصرة أتباعه - وهم النصارى - على اليهود ؛ ومعنى « متوفيك » مميتك ممات نوم ، كما في قوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ
( 60 ) ( الأنعام ) أي ينيمكم ، والنوم أخو الموت مع الفارق ، وعيسى توفّاه اللّه ، لأنه رفعه في منامه من غير موت . وكما سبق فإنّ مثل عيسى كمثل آدم ، وعيسى لم يكن شيئا ، وكان عدما ، فجرت المشيئة بخلقه ، فكان بكن ، وهي نفخة جبريل في فرج مريم ، أي بشقّ ثوبها ، وآدم كان ترابا فصنعه اللّه تعالى من الطين ، ونفخ فيه بكن ، وقصتا آدم والمسيح من القصص الدالة على طلاقة قدرته تعالى ، فآدم ليس من أب ولا أم ، وحواء من أب بلا أم ، والمسيح من أم بلا أب ، والإنسان عموما من أب وأم !
ومثل هذه المحاجاة مع نصارى نجران كانت محاجاته صلى اللّه عليه وسلم مع اليهود حول إبراهيم ، فإنه لمّا نزلت الآيات عن أن ملّة إبراهيم هي ملة المسلمين ، قال اليهود إنه انتحل إبراهيم