والخطاب في السورة إليه صلى اللّه عليه وسلم ، ونزوله كنزول التوراة والإنجيل الأصليين ، نزلا بحسب المناسبات ومطلوبات الديانة ، وكتب عزرا التوراة بعد وفاة موسى بنحو ثلاثمائة وخمسين عاما ، مما وعته ذاكرته عن الأحبار والروايات الشفهية ؛ والأناجيل كتبها : متى ، ولوقا ، ومرقس ، ويوحنا ، بعد المسيح بنحو ستين سنة أو أكثر من ذلك بكثير ، مما وعته ذاكرتهم من الروايات الشفهية ؛ وأما القرآن فكان نزوله على الرسول صلى اللّه عليه وسلم منجما على عشرين سنة ، وكان الصحابة يحفظونه ويكتبونه ، وجمعه أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، وأصدر عثمان المصحف المعروف باسمه ، واعتمد على حفظ صحابة الرسول صلى اللّه عليه وسلم الذين حضروا نزول القرآن أو تلاوة الرسول صلى اللّه عليه وسلم لسوره . وفي القرآن الكثير من الأوصاف الرائعة للتوراة والإنجيل الأصليين ، ولا ينبغي أن نظن أن هذه الأوصاف تصدق على كتب العهد القديم والجديد من كتب وأسفار اليهود والنصارى الحالية ، فهذه بوّبت ، وصنّفت ، وزيد عليها ، وأنقص منها ، وأوّلت معانيها ، وكتبت بحسب تأويلها وليس بحسب نزولها .
والتوراة تصحيف عربى للاسم العبري تورا
Tora
، وتعنى « ناموس » أو « شريعة » ، فهو « كتاب الشريعة » . وكذلك الإنجيل تصحيف عربى للّفظ اليوناني أونجليون ، ومعناه « الخبر الطيب » أو بالأحرى « البشارة » فهو « كتاب البشارة » . ويتميز القرآن عن كتب اليهود والنصارى أنه لا يناقض العلوم . في سورة آل عمران تأتى الآية :
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
( 6 ) وتسمى آية التصوير ، أي تصويره تعالى للبشر في أرحام الأمهات ، وفيها الرّد على الطبائعيين الذين يجعلون الطبيعة هي الفاعلة وليس اللّه . وفي سورة البقرة تأتى التفرقة بين آيات القرآن المحكمات وآياته المتشابهات ؛ والمحكمات : هي التي يعرف تأويلها ويفهم معناها وتفسيرها ، ولا التباس فيها ، ولا تحتمل إلا وجها واحدا ؛ والآيات المتشابهات : هي التي لا يعلم تأويلها إلا اللّه ، ويتشابه معناها ويلتبس ، ويحتمل وجوها كثيرة . وقيل القرآن كله محكم ، لقوله تعالى :
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ
( 1 ) ( هود ) ، والراسخون في العلم يقبلون النوعين من الآيات ، لأنهما من عند اللّه ، ورسوخهم في العلم هو ثبوتهم فيه ، وكل ثابت راسخ ، ولولا وجود أمثال هؤلاء لكان القرآن كله محكما ، وإنما كان المتشابه لحكمة أن يظهر الفضل في شرحه للعلماء .
وللراسخين في العلم دعاء جميل يقول :
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 8 ) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ
( 9 ) ، وإزاغة القلب فساده وميله عن الدين . وكان آل فرعون من الذين أزاغ اللّه قلوبهم ، ودأبوا على الكفر ، وأهل قريش فعلوا مع النبىّ صلى اللّه عليه وسلم مثلما فعل آل فرعون مع موسى ،