هذا الفرق نحو تسعمائة سنة ! وعلماء اليهود أنفسهم يجزمون بأن تأليف التوراة لا بد قد حدث في عهد سليمان ، أي قبل ألف سنة من ميلاد المسيح ، وفي الزمن الذي كان فيه هومر ، ولدينا دليل من دراسة الإنجليزية اليوم ، ودراستها من ألف سنة ، أن هناك فرقا في الأسلوب ومعاني الكلمات في الزمانين ، والفرق فعلا كبير جدا ، وكان مثله سيظهر حتما في التوراة وسائر الكتب ، ولكنه لم يظهر شئ من ذلك . وفي هذه التوراة التي بين أيدينا جاء في سفر تثنية الاشتراع ، في الباب السابع والعشرين ، العبارات الخامسة حتى الثامنة :
« وتبنون هناك مذبحا للربّ إلهكم من الحجارة غير المنحوتة ، وتكتبون على الحجارة جميع كلام هذه التوراة كتابة واضحة » ، فنعلم أن حجم التوراة كان بحيث لو كتب على حجارة المذبح لكان المذبح يسع ذلك ، فلو كانت التوراة هي هذه الأسفار الخمسة التي تستنفد من كتاب العهد العتيق ثلاثمائة وخمسين صفحة ، لما أمكن ذلك ، ثم بأي خط كتب موسى ؟ أبهذا الخط العبراني الحالي ؟ أبدا ، فلم يعرف أنه كان للعبرانيين خط خاص بهم ، وإذن فكيف كتب موسى هذه التوراة ؟ ومن أين تأتّى له الخط ؟ وأين هي النسخة بهذا الخط غير المعروف ؟ وحتما فإن هذه النسخة الحالية من التوراة ليست هي توراة موسى . ولو كانت هي توراته التي كتبها ما وقع موسى وهو النبىّ كليم اللّه - في هذه الأخطاء الحافلة بها التوراة ، كالخطإ في العبارة الخامسة عشرة ، من الباب السادس والأربعين من سفر التكوين والتي تقول : « هؤلاء بنو ليّة الذين ولدتهم ليعقوب في فدان أرام مع دينة ابنته : جميع نفوس بنيه وبناته ثلاثة وثلاثون » ، والصحيح أنهم أربعة وثلاثون نفسا ، فلو عددنا الأسماء مع دينة صاروا أربعة وثلاثين ، ودينة ابنته ، لا بد من عدّها ! ومثل آخر لهذه الأخطاء في التوراة ، هو الخطأ في العبارة الثانية من الباب الثالث والعشرين من التوراة سفر تثنية الاشتراع التي تقول : « من كان ولد زانية لا يدخل جماعة الربّ ولو في الجيل العاشر ، لا يدخل منه أحد في جماعة الربّ » ، فطبقا لذلك لا يلزم أن يدخل داود ولا آباؤه إلى فارص بن يهوذا في جماعة الربّ ، لأن فارص ولد زنا ، فقد زنا أبوه يهوذا بأرملة ابنه وأنجبه منها ، وداود هو الجيل العاشر من فارص كما جاء في إنجيل متّى عن بيت المسيح في الفصل الأول ، في العبارات من العبارة الثانية حتى الخامسة ، فهل يعقل ذلك ؟ وهل من المقبول أن يكون المسيح من بيت داود كما جاء في الفصل الثاني من إنجيل لوقا العبارة الرابعة ، وداود نفسه يقال عنه إنه ولد زنا ؟ هل هذا معقول ؟ ولا بد أن هذه العبارة من التوراة قد وردت خطأ لأنها شديدة التجافي مع قدسية هؤلاء الأنبياء ، وموسى لا يمكن أن يخطئ في التشريع ، واللّه تعالى لا يمكن أن يوافقه على تشريع يعلم سلفا أنه سينطبق على داود ، وأن المسيح سيكون من نسل داود ، وإذن فهذه التوراة التي بين أيدينا ليست من تصنيف موسى ، وليست من وحى اللّه ولا إلهامه .
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 440
مساهمون: عبد المنعم الحفني
ص٤٤٠