تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
والمتّبع في هذه التوراة التي بين أيدينا ، أن مؤلفها فيما يزعمه منسوبا إلى اللّه ، يذكره مسبوقا ب « قال اللّه » ، وما يزعمه منسوبا إلى موسى يذكره مسبوقا ب « قال موسى » ، فعبّر عن اللّه وعن موسى بصيغة الغائب ، ولو كانت التوراة من تصنيف موسى لكان عبّر عن نفسه بصيغة المتكلم ، والذي يشهد عليه الظاهر أن هذه التوراة لا هي من وحى اللّه ولا بإلهامه ، ولا هي من تصنيف موسى ، وإنما من وضع الوضّاعين ، ودليلنا ما فيها من تعارض وتخالف ، وما حوته من أقوال عن اللّه لا تصدر عن اللّه ، وما نسب منها إلى موسى ولا يمكن أن يصدر عن موسى ، لما في ذلك من معارف ومعلومات وأسماء وأماكن لم يعلمها موسى ، وما كانت قد حدثت في زمنه بعد ! وعلى عكس ذلك القرآن فالمعارف والمعلومات والقضايا والمسائل والأسماء والأماكن فيه ، كلها تناسب وقتها ، ولا تعارض أبدا ما سيكشف عنها فيما يلحق من الأزمان . وما ينسب إلى اللّه في القرآن ، هو أليق وأنسب إليه تعالى وليس محل نقد . وما ينسب من نقد إلى النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، ما كان يمكن أن يتنزّل ويعلن على المسلمين في نفس الوقت ليبقى على مرّ العصور ويتلى بينهم ، لو كان النبىّ صلى اللّه عليه وسلم هو واضع القرآن . والقصص في القرآن منه الكثير في التوراة ، وما في التوراة فيه كلام يسيئ إلى الأنبياء ويظهرهم كعامة الناس وأنهم ضد الفضائل ، وليس في القصص في التوراة أية مواعظ أو دروس في الأخلاق ، والأمر بخلاف ذلك تماما في القرآن ، فالقصص القرآني مقاصده عالية وراقية وسامية ، ولم يأت اعتباطا وإنما لأن له إحالات إلى الواقع في حياة المسلمين أيام الرسول صلى اللّه عليه وسلم . والقصص والأحكام في التوراة ، من الواضح أن مؤلفها لا يمكن أن يكون قبل زمن داود ، ولا بعد زمن حزقيال ، وأنها كتبت في كنعان أو أورشليم ، وليس في الصحراء بتصنيف موسى . ومن المعوّل عليه في التأليف أيا كان ، أن المؤلف لو كان يكتب عن حالات ، وعن مواقف وأحوال تخصّه ، أو عاينها بنفسه ، فإنه يكتبها بحيث يظهر أنه هو نفسه الكاتب وليس غيره . وموسى في هذه التوراة التي بين أيدينا يظهر بجلاء أنه ليس كاتبها ، وإنما آخرين يكتبون عنه ، ولو كانت عبارة واحدة قد صدرت عن موسى بصيغة المتكلم لكانت للتوراة اعتبارات أخرى ، وإنما كل ما جاء بها عن موسى تسبقه هذه العبارة : قال موسى . ويزعم علماء اليهود أن الذي كتب ذلك عن موسى هو نبىّ مثله يروى عنه ، وأنه يلحق بكلام موسى كلاما من عنده ، أي من عند هذا النبىّ ، وذلك ادعاء لا يسنده برهان ، لأنه ما كتب نبىّ أنه ألحق هذه الفقرة أو تلك بالباب الفلاني ، ولا كتب أن غيره كتب ذلك ، ولم يثبت ذلك بالدليل . وأسلوب الكلام في التوراة وفي غيرها من الكتب واحد ، ولا فرق بينها في ذلك ، وكان الأحرى أن يكون هناك فرق في الأسلوب بحسب الفرق في الزمن ، وقد يبلغ