تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 424

مساهمون:

ص٤٢٤
وامتناع التحيّز عنه لا يمتنع مع وجوده ، والقول بصفات متقابلة عن اللّه تعالى لا يفيد التناقض ، فلصفاته تعالى مظهران : الأول يظهر لنا في عباده ، والثاني هو المنسوب إليه تعالى . وفي القرآن الآية :
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
( 14 ) ( التوبة ) ، فالتعذيب منسوب للّه من خلال أيدي العباد ، والآية :
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ
( 10 ) ( الفتح ) تعنى أن البيعة وإن كانت في ظاهرها للنبىّ فإنها في الحقيقة للّه الذي يدعو إليه النبىّ ، والآية :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
( 17 ) ( الأنفال ) تنسب فعل الجوارح إليه تعالى وإن كان الفاعل هو النبىّ صاحب الجوارح ، وليس في ذلك تشبيه للّه ولا تجسيم له ، وإنما جاء التعبير القرآني تأنيسا للقلوب ، وتقريبا للأفهام . ومع ذلك يطعن الملاحدة في القرآن لاشتماله على هذه المتشابهات ، وكانت فرصة هيأت لكل صاحب مذهب أن ينسب مذهبه إلى القرآن ويستشهد به ، فالجبرى يتمسك بآية مثل :
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً
( 25 ) ( الأنعام ) ، والقدري يتمسك بالآية :
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ
( 5 ) ( فصلت ) ، والآية :
وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ
( 88 ) ( البقرة ) ، بمعنى أن الكفر لم يفرضه اللّه عليهم وإنما اختاروه لأنفسهم ؛ وكذلك يتمسك منكرو الرؤية بالآية :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
( 103 ) ( الأنعام ) ، بينما المثبت للرؤية يتمسّك بالآية :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
( 23 ) ( القيامة ) ، ومثبت الجهة يدفع عن نفسه بالآية :
يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ
( 50 ) ( النحل ) ، ورافض الجهة حجته مطلق الآية :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
( 11 ) ( الشورى ) وكل واحد من هؤلاء لديه ما يحتج به من القرآن ، وكان من المفروض أن هؤلاء جميعا يردّون المتشابه إلى المحكم على القواعد اللغوية ، وعلى ما تواضع العرب عليه ، وعلى ما كان يفهمه الصحابة والتابعون من القرآن والسنة . والمحكم هو أم الكتاب ، والمتشابه مردود إليه ، ولا تنافى بينهما ، وكلّ له حكمه وله مزاياه ، ومزية المحكم أنه أم الكتاب وترد إليه المتشابهات ، ومزية المتشابه أنه اختبار لمدّعى الإيمان وابتلاء للمؤمن ، وشحذ لهمة العالم ليقدح ذهنه ، ويوسّع فهمه ، ويعمل اجتهاده . واللجوء لتأويل المتشابه ليس منطقيا وليس سليما موضوعيا ، وفي القرآن يأتي وصف التأويليين بأنهم :
فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
( 7 ) ( آل عمران ) ، يعنى أنهم يحكمون بالهوى في تفسير القرآن ، وذلك الضرب من التأويل هو المنهى عنه ، وأما التأويل السليم فهو الذي يقوم على البرهان والحجّة ، وعلى الهداية والرشد . وكان الظاهرية تأويليين يصرفون ألفاظ المتشابه عن ظاهرها الموهم للتشبيه أو المحال ، وكذلك فعل الإسماعيلية والباطنية ، فقد اتّبعوا المتشابه ابتغاء الفتنة وضلّوا عن الصواب والحجّة والبرهان فأضلوا . نسأل اللّه الهداية وللمسلمين سواء السبيل . * * *
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 424 | عبد المنعم الحفني