تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١

469 . « المحكم » و « المتشابه » في القرآن ، ما هما ؟

المستشرقون كثيرا ما يلغطون على القرآن ويسخرون من اضطراب معاني الآيات فيه ، ومن ذلك أنه قد ورد عن القرآن أنه :
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ
( 1 ) ( هود ) ، وجاء عكس ذلك أيضا :
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً
( 23 ) ( الزمر ) ، ثم ذكر في القرآن الضّدان معا :
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ
( 7 ) ( آل عمران ) ، فقالوا : إن الآيات الثلاث متعارضة ، مع أنه لا تعارض هناك البتة ولكنه نقص معرفتهم باللغة : فالمحكم في اللغة من الإحكام ، وهو المنع ، يقولون أحكم الأمر ، أي منعه أن يفسد ، وأحكمه عن الأمر أي منعه منه ، وحكم نفسه وحكم الناس - أي منع نفسه ومنعهم عمّا لا ينبغي ، وأحكم الفرس أي جعل له حكمة تشكمه وتمنعه أن يتهيّج ، وأتاه اللّه الحكمة ، أي المنعة أن يأتي السوء ؛ والمتشابه : هو المشاكل والمماثل المؤدّى إلى الالتباس ، تقول : تشابها ، واشتبها ، وأشبه كل منهما الآخر حتى التبسا ، وأمور مشتبهة ، ومشبّهة أي مشكلة ، والشبهة الالتباس ، وشبّه عليه لبّس عليه . والقرآن في الآيات الثلاث ، فيه المحكم ، وفيه المتشابه ، فالآية الأولى تدل على أنه كله محكم ، والآية الثانية أنه كله متشابه ، والثالثة أن بعضه محكم وبعضه متشابه ، والمعنى في الآيات الثلاث واحد ، إلا أنه مرة يؤكد على جانب منه ، ومرة على جانب آخر وهكذا ؛ والإحكام يعنى أنه لا يأتيه باطل ولا خلل كالبناء المحكم المتين الرصين ؛ والتشابه يعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الإحكام ، فلا يفضل بعضه على بعض وإن خفى هذا الإحكام على الناس ، فلما كان بعضه ظاهر الإحكام ، وبعضه خفيا إحكامه إلا على المدقّق ، فلهذا كان بعضه محكم وبعضه متشابه . والمحكم اصطلاحا يكون بهذا المعنى السابق الذي يقابله المتشابه ، وهو اصطلاحا أيضا يقابله المنسوخ . وسواء بهذا المعنى أو بغيره فالمحكم هو المنيع الذي لا يتطرّق إليه النسخ ، والذي ليس فيه التباس ، ومعناه واضح لا خفاء فيه ، ولا يحتمل إلا تأويلا واحدا ، ولا يتطرق إليه إشكال ، وترجح دلالته ، والمتشابه بخلاف كل ذلك ، وهو المقابل له . * * *

470 . فإن كان « المحكم » هو الأفضل والأوضح فلما ذا « المتشابه » ، وما الحكمة فيه ؟

نعلم أن المتشابه ما خفى مراد الشارع منه ، وقد يكون لفظا ، أو يكون معنى ، أو يكون لفظا ومعنى . والخفاء في اللفظ مثل قوله تعالى :
وَفاكِهَةً وَأَبًّا
( 31 ) ( عبس ) فما هو الأبّ ؟ واللفظة كما نرى مفردة ، ومعنى الأبّ ما ترعاه البهائم ، وقد عرفنا ذلك من بقية الآية :
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 421 | عبد المنعم الحفني