تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 422

مساهمون:

ص٤٢٢
مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ
( 32 ) ( عبس ) ، وبذلك يرتفع التشابه أو اللبس . ومثل ذلك في التشابه في المركّب ، كقوله تعالى
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ
( 3 ) ( النساء ) فالتحرّج من الزواج من اليتامى لم يذكر سببه ، فتولد اللبس عن ذلك ، وكان ذلك لأنهم كانوا يتحرّجون من ولاية اليتامى ولا يتحرّجون من الزنى ، فأنزل اللّه الآية : فإن خفتم أن تجوروا على اليتامى فأقلعتم عن الزواج منهن ، فخافوا الزنى أيضا ، وتبدّلوا به الزواج الذي وسع اللّه عليكم فجعله مثنى وثلاث ورباع . وأما التشابه الراجع إلى الخفاء في المعنى فقط ، فمثاله ما جاء في القرآن وصفا للّه ، أو للساعة ، أو للجنة أو النار ، فهذه أشياء لا يتسنى أن نحصل عنها على جواب محكم ندركه إدراكنا للمحسوسات . وأما ما كان التشابه فيه لخفاء في اللفظ والمعنى معا ، فمثاله الآية :
وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها
( 189 ) ( البقرة ) فقد كانت عادة العرب إذا أحرموا أن لا يدخلوا ولا يخرجوا من الأبواب ، وإنما ينقبون نقبا في ظهر البيت يدخلون ويخرجون منه ، فنزلت الآية أن ذلك ليس البرّ ، وإنما البرّ أن تتقوا اللّه . والخفاء في الآية مصدره اللفظ والمعنى معا . والمتشابهات عموما إما أنها كذلك لأنها داخلة فيما لا يمكن العلم به كالساعة والقيامة ، وإما أن العلم بها يتطلب إعمال الفكر والبحث كما في الآية :
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
( 102 ) ( آل عمران ) ، وإما أنها تشتبه على العامة ولا تشتبه على الخاصة الراسخين في العلم . فإذا كانت المتشابهات هي الألفاظ الخفية المعنى والمعاني البعيدة والغامضة ، فلما ذا يأتي بها اللّه ، والقرآن ينبغي أن ينبسط للجميع عامة وخاصة ؟ والجواب : أن اللّه تعالى قد أتى بها لأن الناس ليسوا سواء في الذكاء والإدراك والمعرفة ، فمثلا صفاته تعالى كيف يدركها العامة ؟ فكان لا بد أن يكون الكلام فيها من باب المتشابهات . والناس ليسوا سواء في الإيمان ، فمن صادفه متشابه وآمن به إيمانه بالمحكم فقد وعى الحقّ من ربّه ، ومن اتّبع المتشابه وأرغى فيه وأزبد فهذا الذي يبتغى الفتنة ، وإذن فالإتيان بالمتشابه مع المحكم إنما هو اختبار منه تعالى لإيمان المدّعين ، وهو ابتلاء للمؤمنين ، ثم إنه يناسب عقلية العوام وما تتخيله أو تتوهمه عن اللّه تعالى ، في حين أن المحكم هو ما يناسب الخواص ، وهم الراسخون في العلم ، يؤوّلونه التأويل الصحيح . ولو كان القرآن محكما كله أو متشابها كله لكان المقصود به جماعة واحدة من الناس ، والمتشابه أدعى لإعمال الفكر فيكون المزيد من الثواب للباحثين ، وتحصيل المزيد من العلوم ، وبذلك يكون الخروج عن التقليد ، ويكون الاجتهاد في التفسير ، فله الحمد تعالى على ما أنعم وهدى ، وله المنّة وكل الشكر . * * *