471 . الناس أتوا في المتشابهات بكلام يحتمل الكفر والإيمان ؟
أكثر الناس في موضوع المتشابه من القرآن ، من أمثال :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
( 5 ) ( طه ) ، فالاستواء من المتشابهات في الصفات ، أي التي يصف اللّه تعالى بها نفسه ، وآيات أو متشابهات الصفات كثيرة في القرآن ، وتحفل أسفار موسى الخمسة بها ، ومنها الكثير أيضا في الأناجيل ، واليهود والنصارى مع الرأي الذي يقول بحمل المتشابهات على ظواهرها ، مع بقائها على ما هي عليه مما هو في واقع الناس ، وبهذا الرأي أيضا قال المجسّمة والمشبّهة ، غير أن المعوّل عليه في الإسلام في أمور العقيدة : أن يكون الدليل على المعنى قطعي ، واللّه تعالى في التصوّر الإسلامي ليس جسما ، ولا يتحيّز ، ولا يتجزى ، ولا يتركّب ، وليس ناقصا يكمله شئ أو أحد ، ولا يحتاج إلى مكان ولا إلى زمان . ومن المتفق عليه عند المسلمين أن الاستواء على العرش - بمعنى الجلوس عليه ، من التمكّن والتحيّز - مستحيل في حقّ اللّه ، لأنه تعالى لا يشبه خلقه ، كقوله :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
( 11 ) ( الشورى ) . ولقد تصوّر البعض أن في الإمكان حلّ هذا الإشكال بتفويض اللّه تعالى في تحديد معنى الاستواء الذي وصف به نفسه ، وهو تعالى الأعلم بنفسه ، وهؤلاء هم المسمون المفوّضة . وفيهم آخرون ذهبوا إلى أن الآية إثبات صفة الاستواء للّه بدون تعيين ، ومن عيّن منهم قال إن استواءه تعالى على العرش يعنى أنه سخّره وقهره لإرادته ، والعرش هو الوجود كله ، والقول بهذه التأويلات فيه إثبات للملزوم ونفى اللازمة ، وهو تناقض صريح ، فما من عاقل يمكن إن يقول إن الاستواء هو الاستواء ، أي الجلوس المعروف الذي يستلزم أن يكون للّه تعالى جسم ، وأن يتحيّز في المكان ! وأيضا فإن القول بأن الاستواء مع ذلك ليس كما نعرف ، نفى للقول الأول وتناقض معه ، وكأننا به نقول مرة أنه لا يمكن أن يستوى كاستواء الأجسام المتحيّزة ، ومرة نقول إن هذا الاستواء ليس ما نعرف من الاستواء ، فنثبت الصفة المتشابهة مرة وننفيها أخرى ، فنقول شيئا وننقضه . ولو قلنا إن الاستواء على ما يعلمه اللّه ولا نعلمه نحن ، وهو من الغيب لأنه متعلق به تعالى ، وصفاته كلها غيب ، فما كان غيبا لا نقاش فيه ولا جدال ، لأرحنا واسترحنا ، وأقنعنا واقتنعنا ، لأن المتشابه من الصفات من المجاز وليس من الحقيقة ، ولأنه كذلك فلا بد أن يصرف عن ظاهره ، طالما هناك قرينة تمنع من إرادة معناه الأصلي . ويفسد أن نقيس غائب بشاهد ، وأن نتصوّر للّه ما ندركه في البشر بحواسنا وعقولنا ، واللّه تعالى مجرّد ، وتصوّر المجرّد ماديا لا يجوز ، وطالما أن اللّه تعالى كذلك فهو ليس بجسم ، ولامكان له ولا جهة ، ولا يعنى القول بذلك أنه تعالى غير موجود ، فهو لا يشبهنا والحكم عليه ليس كالحكم علينا ،