تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
أسمى درجة ، وطالما أننا نعدّ الشخصية هي القيمة العليا ، وهي بمثابة روح الروح أو الذات ، فإن المطلق ليس سوى الإله المتشخص ، والذي نعرفه باسم اللّه ، وهو ذات محض . وليس معنى المطلق أنه المستبدّ بلا معقولية ولا خيرية ، فالمطلق الذي هو اللّه ليس ضد الحرية ، ولا تعارض بين سلطته وبين الحرية ، وسلطته تعالى هي ما نسميه بالشريعة الإسلامية ، وهي شريعة لأن اللّه تعالى بخيريته شرعها واستنّها لتعزيز الحرية وخدمتها وضمانها . والحرية في جوهرها أخلاقية ، وهي أن نفعل أو لا نفعل ، وكل فعل في حدود الشريعة - يتوخاه الإنسان الحر ، صاحب الضمير الحرّ ، والمقدّر للمسئولية ، والذي لا يصدر عن هوى ، والذي يستلهم القيم ، ويعايش كل آية في القرآن ؛ وهو الربّانى الذي اختار الطريق إلى اللّه ، ويتمثّله تعالى فيما أمر ونهى ، واللّه أو المثل الأعلى الإلهى ، يجب أن يكون في وعى كل مسلم حرّ ، لأنه تعالى الموجود لذاته أو المطلق ، ونوره المشع الذي هو القرآن ، عندما تستضيئه الضمائر الجزئية ، فإن حرية هذه الضمائر تظهر في ممارساتها على موضوعاتها ، ويتبدّى نورها على أنفسها ، ونكون بذلك قد حذونا حذو اللّه ، أي نكون ربّانيين ، ونعيش اللّه في أنفسنا ، وفي العالم المحيط بنا ، أي يكون الأنا الجزئي فينا صورة أو انعكاسا للأنا الإلهى الأعلى . والربّانيون لا يقضون إلا بما يقضى به اللّه ، وهم دليل وجوده تعالى ، لأنهم خلفاؤه ( المائدة 44 ) ، وما كانوا كذلك إلا لأنه تعالى موجود فكانوا خلفاءه ، والموجودات في هذا العالم واحدة من ثلاثة : فإما أنها واجبة الوجود ، أي أن وجودها من ذاتها ، أو أنها ممكنة الوجود ، أي وجودها من غيرها ، فلا توجد إلا بسبب ، ولا تنعدم إلا بسبب ، أي أن وجودها يكون محدثا ، والمحدثات إذا كانت تحتاج لأسباب لوجودها ، فهي محتاجة أيضا لأسباب لبقائها ، وفي جميع الأحوال تحتاج لموجد لها ، سواء في إيجادها الابتدائي ، أو في حفظ بقائها بعد ذلك ، أو في إعدامها . ووجود الممكن يقتضى بالضرورة وجود الواجب ، وهو الذي وجوده من ذاته ولذاته ، وبدون سبب ، وليس بعرض ، ولا علّة له ، ويتّصف بصفات الكمال كلّها ، وهو واحد لا يتعدد ، وهو اللّه ، لم يلد ، ولم يولد ، ولا شريك له ، ولم يكن له كفو ، وله الأسماء الحسنى والصفات العلى . وكل الموجودات التي ذكرها القرآن أو لم يذكرها لها علل فاعلة ، واللّه هو الموجود الوحيد في القرآن الذي هو علة نفسه وليس علّة لغيره ، وهو العلّة الأولى التي تنتهى إليها كل العلل ، فهو علّة العلل . وكل آيات الخلق في القرآن تجزم بوجود الكون على نظام ، وأنه كله يشمله الانسجام ، وهو نسق من الوسائل والغايات ، فكيف حدث ذلك والمادة عاجزة عن تدبير نفسها بنفسها إن لم يكن الذي أحدثها هو اللّه علّة العلل ، والمحدث الأول ؟ وتتحدث