تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
وجميلا لنبحث فيه عن ذلك القسطاس ، ويكفى أن يكون في العالم أقل الحق والخير والجمال ، لنتحرى ونفتش ونبحث في أذهاننا عن ذلك القسطاس ، الذي هو المرجع الأعلى لنا في الحكم على الأشياء بالحقّية ، أو الخيريّة ، أو بالجمال ، والثلاثة وجوه لموجود واحد هو اللّه ، ولو لم يكن حبّ ذلك في الإنسان مركوزا لما درى ما الحق ، وما الخير ، وما الجمال ، ولما عرف أن يقيس ، ولا أن يحكم ، ولا أن يفاضل ، وفي القرآن ثبت ذلك كله وأكثر منه . وقول الملحدين ، أو المنكرين ، أو اليهود ، أو الشيوعيين ، أو العلمانيين ، والتنويريين ، أو الليبراليين إلخ ، بأن الحق والباطل والخير ، والشر ، والجمال ، والقبح ، مسائل نستمدها من طبيعة الأشياء ، وأنه من طبيعة الأفعال أن الفعل السيئ يعود على صاحبه بالعقاب ، والفعل الخيّر يعود عليه بالخير ، وأنه لا شأن لوجود اللّه أو عدم وجوده بذلك ، هو ضحالة في التفكير المادي المسرف ، وعجز عن القدرة على التجريد ، وقصور في الوصول بالقضايا إلى أصولها ، فالطبيعة من حولنا ، وفي الأشياء ، لا تجازى من نفسها على الخير ، ولا تعاقب على الشر ، ولا تستحسن الجمال ، ولا تستهجن القبح ، ولا تبطل الباطل ، ولا تحقّ الحق ، ويكون من الضروري إذن القول بأن فوق الطبيعة أو وراء الطبيعة ، لا بد من موجود عادل يجازى على الخير ، ويعاقب على الشر ، وينصر الحق ، ويصنع الجمال صنعا ، وأنه الذي يخلق فيبدع ، ويمايز بين الحق والباطل ، والخير والشر ، والجمال والقبح ، وأن الشر ، والظلم والقبح جميعها عن نقص في الأشياء وفي الأفهام ، ولولا أن القبح والشر والباطل أشياء موجودة ، لما عرفنا وقدّرنا ، وطلبنا الخير والجمال والحق ، ولولا ذلك لما علمنا عن العدل في بحثنا عنه وسعينا إليه وطلبنا له ، وهذه القيم هي الميزان للوجود بأسره ، كقوله تعالى :
اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ
( 17 ) ( الشورى ) ، وقوله :
وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ
( 25 ) ( الحديد ) ، وقوله :
وَوَضَعَ الْمِيزانَ ( 7 ) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ ( 8 ) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ
( 9 ) ( الرحمن ) . وإذن - وطبقا للقرآن ، فلكى تكون هناك سعادة لا بد من وجود خير ، وفضيلة ، وحق ، وجمال ، وعدالة ، وإجمالا لا بد من القيم ، وجميعها تترابط ويستلزم بعضها البعض ، وتواجدها مترابطة ليس استنباطا تحليليا ، ولكنه تركيب متعال ، يقتضى وجود علّة عليا تتجاوز الماديات بالذهن والإرادة ، وتتطابق مع النية الأخلاقية ، ويكون لها العلم كله ، والقدرة كلها ، أي يقتضى وجود اللّه ، ولم توجد القيم إلا لأنها تستمد من قيمة عليا مطلقة ، والقيمة التي بالمعنى الأتمّ هي اللّه ، وليس المطلق في القرآن إلا القيمة المطلقة ، ومن أجل ذلك كان اللّه واحدا لا شريك له ، فالقيمة المطلقة يجب أن تكون لها شخصية إلى