تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
الآيات الكونية في القرآن عن « دليل غائى » ، قوامه أن وراء هذا التناسق والتناغم والنظام لا بد من علّة عاقلة تتولى الخلق والتدبير والتنظيم . والإنسان وهو قمة الموجودات والمخلوقات ، كلما يتصور للأشياء علّة ، يذهب في تصوره إلى ما هو أبعد منها وهكذا ، وكل ما هو عظيم في لحظة يأتي على الإنسان أن يجد له الأعظم منه ، وما من شئ يظن به العقل الكمال إلا ويتطلع أن يجد ما هو أكمل منه ، إلى نهاية النهايات ، أي المطلق الكامل الذي لا شئ أكمل منه ، ولا مزيد على كماله ، ولا نقص فيه . وهذا التصوّر لهذا الموجود الأكمل والأعظم والأجمل هو واقع نأتيه فعلا ، وليس وجوده في الحقيقة بأقل من وجوده في التصور ، وهذا الموجود الأكمل هو اللّه :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
( 11 ) ( الشورى ) ، والبرهان على وجوده تعالى نسميه « برهان الكمال » ، لأننا به ننشد « الكمال » ولا نقنع بالأدنى ، وهو أيضا « برهان الاستكمال » ، لأننا به نستكمل النقص بما هو أكمل ، وهو كذلك « برهان الاستعلاء » ، لأننا به نستعلى على النقص ونصاعد علوا إلى الكامل الأمثل . وشبيه بذلك أن الفكرة قد تطرأ وتلح على عقولنا حتى نستكملها موضوعيا ، وحتى يصبح لها وجودها في تصوّرنا ، فعندئذ نعرف أن هذا الوجود أو الكمال للفكرة لم يكن على جهة الصورة ، ولم نكن نحن علّته ، ويلزم بالضرورة أن نستشعر وندرك ونعى ، أننا لسنا في العالم وحدنا ، وأن هناك موجود آخر أسمى هو علّة هذه الفكرة . وفكرة اللّه من ذلك ، فكلما نتأملها ونفكر فيما قيل فيها وعنها ، ندرك إدراكا قويا لا يخامره الشك ، أن هذه الفكرة لا يمكن أن تكون نحن وحدنا مصدرها ، ولا يمكن إلا أن يكون لها ما يقابلها في عالم الواقع والحقيقة ، ولا بد إذن أن اللّه موجود ، وأنه واحد لا شريك له . وهذه البراهين جميعها يحفل القرآن بالأمثلة لها ، بعضها مباشر وأوردنا نماذج له ، وبعضها غير مباشر نبّهنا إليه بإيراد السورة ورقم الآية ولم نوردها بألفاظها . وكل هذه الحجج والبراهين والأدلة لها هدف واحد ، هو إبطال حجة الناس أنهم ما بلغتهم رسالته تعالى ، أو أنهم لم يعثروا على ما يدحض جحودهم ويهديهم . ونحمد اللّه تعالى على القرآن الذي علّمنا ونوّرنا وهدانا ، فأين منه التوراة التي تشتتنا ، وتثير فينا النعرات ، وتضللنا عن اللّه ؟ وأين منه الأناجيل التي تفترى على اللّه أعظم فرية ، وتضل الناس ، وتطفئ فيهم نور العقل ، وتدخلهم في متاهات وتلفيقات ، لا هي من الفلسفة ، ولا من العلم ، ولا من الدين في شئ ؟ ! ، وحسبنا اللّه ! * * *

330 . برهان الخلق

اللّه يخلق ، وما دونه ، ومن دونه ، لا يخلقون ولكنهم مخلوقون ، وهذا هو الفرق .