تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
الاجتماعي على وجود اللّه ، » ومنه في القرآن قوله :
وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا
( 13 ) ( الحجرات ) ، وقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ
( 178 ) ( البقرة ) ، وقوله :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ
( 179 ) ( البقرة ) ، وقوله :
هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ
( 60 ) ( الرحمن ) . والإنسان بحكم تجاربه وخبراته بوجوده تعالى كموجود أعظم يقوم عليه وجود الكون ، قد نبّه إلى برهان آخر هو « برهان الوعي » ، قوامه هذا الوعي اليقيني بحقيقة اللّه الذاتية وبالحقيقة الكونية ، والوعي لا يتناقض مع العقل ، وهو أعمّ من العقل في إدراكه ، لأنه مستمد من كيان الإنسان كله ، ومن ظاهره وباطنه ، وبتعبير القرآن :
وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
( 12 ) ( الحاقة ) ، والأذن الواعية هي الذاكرة ، والذاكرة أداتها العقل ، وهي أكبر من العقل ، والذاكرة الجماعية للإنسان - لنفسه ولغيره - إجمالية ، ويبقى التفصيل للعقل . والإنسان الواعي هو « الحرّ » ( البقرة 178 ) ، والحرية انفكاك من قيود العبودية ، ومن العوارض والشهوات والعلائق ، والإنسان الذي يصير إلى ذلك هو « المحرّر » بتعبير القرآن ( آل عمران 35 ) أي الخالص للّه ، و « برهان الحرية » على وجود اللّه يقوم على القول : بأن الإنسان إذا تحرر واستشعر أنه حرّ ، وأن له أن يعتقد أو لا يعتقد ، كقوله تعالى :
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
( 29 ) ( الكهف ) ، يأتيه اليقين بوجود اللّه ، فالحرية والاعتقاد باللّه لا ينفصلان ، ولا اعتقاد باللّه بلا حرية ، وكل حرية حقيقية فمآل صاحبها إلى الاعتقاد ، ويقين الحر أنه من حيث كونه حرا ، لا يوجد بواسطة ذاته ، ولكنه معطى لذاته ، وحريته من غيره ، من موجود أكبر وأعظم - حريته من ذاته . والإنسان لا يستخلص الحرية لنفسه بالقوة ، وإنما تتأتى الحرية له بالعلوّ ، وترتبط بالتحرر من العلائق الدنيوية والحاجات اليومية ، ومن يحقق لنفسه ذلك العلو يخلص بحريته لذاته ، فإذا استشعر أنه حر ، فعندئذ يعى أنه مخلوق لموجود هو الذي منحه الذات ، كقوله :
فَخَلَقَ فَسَوَّى
( 38 ) ( القيامة ) ، وقوله :
ثُمَّ سَوَّاكَ
( 37 ) ( الكهف ) ، وقوله :
ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ
( 9 ) ( السجدة ) أي أعطاه الذات ، فالمعطى هو الذات ، وهو معنى فسوّى ، والذي له ذات هو الكامل ، ولا يكون الإنسان كاملا إلا باكتماله بالذات ، والذات هي تمام كماله . وعندما يكون الإنسان حرا لا توجهه الأهواء ولا الأضاليل ، يعى أنه مخلوق لموجود هو الذي منحه هذه الذات ، وهيأ له العلو ، وأوجد له المثال أن يصوغ نفسه على المنوال ، والمثال - كما يذكره القرآن - هو النبىّ صلى اللّه عليه وسلم الذي خلقه القرآن ، فالإنسان الكامل محكوم عليه منذ البداية أن يكون ربّانيا ، وحريته تعنى أن اللّه موجود . وليس أدل على وجود اللّه من الوازع الخلقي في الإنسان ، وهو النفس اللّوامة ، وهو الضمير ، والشعور بالواجب وبالمسئولية ، وبأن للإنسان