تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
هو « دليل العناية » . وتأتى آيات القرآن على ثلاثة أنواع ، فإما أنها « أدلة اختراع » ، وإما أنها « أدلة عناية » وإما أنها تجمع الأمرين معا ، فمن النوع الأول : قوله تعالى :
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ( 5 ) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ
( 6 ) ( الطارق ) ، وقوله :
أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
( 17 ) ( الغاشية ) ؛ ومن النوع الثاني : قوله :
أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً
( 6 ) ( النبأ ) ، وقوله :
تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً
( 61 ) ( الفرقان ) ؛ ومن النوع الثالث قوله :
وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً
( 32 ) ( الأنبياء ) . ونطلق على دليل القرآن من مثل قوله تعالى :
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ
( 19 ) ( الروم ) وقوله :
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
( 78 ) ( النحل ) : « برهان ظهور الحياة في المادة » ، وهو برهان يبطل قول القائلين بقيام الكون على المادة العمياء دون غيرها ، ونختصره باسم « برهان الحياة » . ونطلق على الدليل من مثل قوله تعالى :
جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً
( 11 ) ( الشورى ) ، وقوله :
وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ
( 7 ) ( ق ) : « برهان التناسل بين الأحياء لدوام البقاء » ، ونختصره باسم « برهان النسل » . وينبّه القرآن إلى صورة الإنسان نفسه ، وهي أكبر حجة للّه على خلقه ، وأقرب وأوضح وأصحّ الأدلة . والقرآن على القول بأن طريق معرفة وجود اللّه عند الإنسان هو السمع والعقل معا ، فالإيمان يكفى فيه أن يتلقى الناس بالسمع عن صاحب الشرع ، وأن يؤمنوا به ، وأما من يشاقق في الشرع فله طريق العقل ، وبالعقل عرف العرب قبل الإسلام أن اللّه موجود ، يقول تعالى :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
( 25 ) ( لقمان ) ، وقولهم هذا نسميه « الدليل البديهي » ، فاللّه تعالى لا يحتاج إلى البرهنة على وجوده ، والإيمان به فطرة ، والعلم بوجوده علم بديهي ، والإنسان على العهد بأنه كلما أصابته مصيبة أظهرت عجزه ، فإنه ينطق تلقائيا بالدعوة إلى اللّه يتضرع إليه . والمؤمنون لا يعتمدون على العقل ولا النقل ليؤمنوا باللّه ، فالإيمان بوجوده تعالى يلقى في القلب ، ويعيه العقل عندما يتجرّد الإنسان من عوارض الشهوة ، وفي القرآن أمثلة على ذلك كثيرة ، كقوله :
إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً
( 29 ) ( الأنفال ) والمركوز في الإنسان أنه لكي يصحّ اجتماعه فلا بد من الأخذ بالجزاء والعقاب ، والاعتقاد بالآخرة والبعث والحساب ، وذلك وازع لنفسه يكبحها عن الشر والفساد ، ويوجهها للصلاح ، ويحول بينها وبين العدوان ، وما لم يعتقد الإنسان بوجود اللّه فلن يكون اجتماع ولا حضارة ، ولن تكون مدنية ، ولن تستقيم المعاملات ، ولا تخلص النوايا بين الناس والشعوب ، ونسمى ذلك « البرهان