تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
القلبين » من دهائه ، وكان يقول : إن لي في جوفي قلبين ، أعقل بكل واحد منهما ، أفضل من عقل محمد » ، وكان الرجل من فهر . وفي رواية الواحدي والقشيري وغيرهما سمّياه « ذا القلبين » ، وقالوا : نزلت الآية في جميل بن معمر الفهري ، وكان رجلا حافظا لما يسمع ، فيقال عنه : ما يحفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان ، وكان يقول عن نفسه معرّضا بالنّبى صلى اللّه عليه وسلم : لي قلبان أعقل بهما أفضل من عقل محمد ! ! فلما هزم المشركون يوم بدر ومعهم جميل هذا ، ورآه أبو سفيان في العير وقد علّق إحدى نعليه في يده ، والأخرى في رجله ، قال له : ما حال الناس ؟ قال : انهزموا . قال : فما بال إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك ؟ قال : ما شعرت إلا أنهما في رجليّ ! فعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده ! وقيل : الرجل هو جميل بن معمر الجمحي ، وكان يدعى ذا القلبين ، فنزلت فيه الآية . وقال الزمخشري : هو جميل بن أسد الفهري . وقيل هو عبد اللّه بن خطل . - والقصة كما ترى مختلقة ، ولا أساس لها ، وجميل هذا أو عبد اللّه غير معروف واختلفوا في اسمه ، ولكنهم ألّفوا القصة ليعرّضوا بالنبىّ صلى اللّه عليه وسلم . وفي رواية ابن عباس : أن المنافقين قالوا : إن محمدا له قلبان - يعنى نسبوا مسألة القلبين هذه المرة للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، فيكون في شئ فينزع إلى غيره ، ثم يعود إلى شأنه الأول ! - يعنى كان مترددا لا يستقر على رأى ولا حال ، ولم يكن الرسول صلى اللّه عليه وسلم من ذلك في شئ ، فلو كان به هذا التردد لما تجمّع الناس حوله ، ولما نجحت الدعوة ، وللحقت به الهزيمة ، وإنما كان صاحب عزم ، ولذا قال له ربّه :
فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
( 159 ) ( آل عمران ) ، وقال :
وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
( 186 ) ( آل عمران ) ، وقال :
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ
( 35 ) ( الأحقاف ) ، فلو لم يكن له عزم ما خاطبه اللّه به ، ولكنه كان موفور العزم ، على عكس آدم الذي قال اللّه تعالى فيه :
وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
( 115 ) ( طه ) . وللزهري وابن حبّان تفسير آخر مرتبط ببقية الآية ، وبقصة زيد بن حارثة لمّا تبنّاه النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، فكما لا يكون لرجل قلبان ، كذلك لا يكون ابن واحد لرجلين . ولكن الآية أكبر من أن تضرب كمثل لحالة زيد ، ففيها أيضا تكذيب للمظاهر لأمّه ، فكما لا يكون للرجل قلبان ، كذلك لا تكون للمظاهر لأمه أمّان ؛ وفي الآية أيضا تكذيب للمنافق ذي القلبين أو الوجهين . والصحيح أن الآية لا هي لهذا ولا لذاك ، ولكنها لتأكيد هذه الحقيقة : أنه لا يمكن أن يجتمع ضدان في القلب الواحد ، كالكفر والإيمان ، والهدى والضلال ، والإنابة والإصرار ؛ وأن يدّعى أحدهم الإسلام ، وهو يضمر اليهودية أو النصرانية ، فإنما للإنسان قلب واحد ، فإما فيه إيمان أو فيه كفر ، ونفى اللّه تعالى التوسط بين الإيمان والكفر ، والنفاق من
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 243 | عبد المنعم الحفني