الدُّنْيا ( 16 ) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى
( 17 ) ، يريد : أن هذه الآيات كلها أمثال وعبر من نوع ما كان يتنزّل على إبراهيم وموسى وداود وسليمان .
* * *
1008 . أمثال وحكم سورة البلد
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ
( 4 ) يضرب بهذه العبارة القرآنية المثل فيما يقاسى الإنسان في الحياة ، وما يكابد من أعباء الدنيا . وأصل الكبد : الشدة والعناء والنصب ، ومنه الكبد لأنه دم تغلّظ واشتد ، ويقال : كابدت الأمر : قاسيت شدّته . ولم يخلق اللّه خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم ، وهو مع ذلك أضعف الخلق . قيل أول ما يكابد ضيق الرحم في بطن أمه ؛ وآلام الميلاد ؛ وأن تقطع سرّته ؛ ويقمط له بالقماط ؛ ويشدّ عليه بالرباط ؛ ويكابد الارتضاع ؛ ثم نبت أسنانه ؛ والفطام وهو أشد عليه من اللطام ؛ ويكابد الختان ؛ ثم يكابد المعلّم وصولته ؛ والمؤدّب وسياسته ؛ والأستاذ وهيبته ؛ ويكابد أوامر الأبوين واستعباد الإخوة ؛ وسيطرة الإخوان والخلّان ؛ ومتاعب المراهقة ؛ والبحث عن عمل ؛ والسعي وراء لقمة العيش ، وهموم الزواج والأسرة ، وشواغل الأولاد ؛ ومشاكل الخدم والجيران والرؤساء ؛ ثم بداية الشيخوخة وانصرام العمر ولمّا يقضى آماله ؛ وهجمة الأمراض والكبر والهرم ؛ ومصائب يكثر تعدادها ؛ ونوائب يطول إيرادها ؛ ويكابد محن المال والنفس والجسم ؛ ولا يمضى عليه يوم إلا يقاسى فيه شدّة ، ويكابد مشقة ؛ ثم يكون الموت ؛ وضغطة القبر وظلمته ؛ ثم البعث والعرض والحساب ، إل أن يستقر القرار ، إما في الجنة أو في النار . فيا لها من مكابدات ومكابدات ! !
أَ يَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ
( 5 ) ذهبت هذه العبارة مثلا ، فكلما طغى إنسان وتجبّر ، فقد يقال له ذلك ، توهينا في ظلمه ، وتشجيعا لعدوه . ونزلت هذه الآية في رجل يقال له أبو الأشدّين ، كان مثلا في القوة والشدّة والبأس والطغيان ، جرىء القلب في الباطل ، غليظ الكبد في الحق .
فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ
( 11 ) : الآية تجرى مجرى الدعاء بمعنى : لا نجا ولا سلم .
والعقبة : المرقى الصعب ، والاقتحام : أن ترمى بنفسك في الشيء من غير روية ؛ واقتحام العقبة : ضرب مثلا لمن لا يفعل الخير ويرقى بنفسه عن الدنية ، ومن لا يؤمن بربّه ، وكأن معنى هذه العبارة تقولها ساخرا : كأنك ما فعلت شيئا ، أو كأنك تحب أنك قد فعلت شيئا عظيما !
* * *