تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 1120

مساهمون:

ص١١٢٠
تَقِيًّا ( 18 ) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا ( 19 ) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ( 20 ) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا ( 21 ) فَحَمَلَتْهُ
( 22 ) ( مريم ) ، والخطاب إلى النبىّ محمد صلى اللّه عليه وسلم ، تذكيرا له بأن يقصّ على قومه قصة مريم ، ليعرّفهم بكمال قدرة اللّه تعالى . وقوله تعالى :
انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها
يعنى اتخذت لنفسها مكانا تعتزل نفسها فيه عنهم ، وهو محراب الكنيس ، ففصلت نفسها عن رواد المكان المشتغلين فيه بستار . واصطلاح « الانتباذ » أقوى من اصطلاح « الاعتزال » ، لأن الاعتزال يعنى الانفصال عنهم ، وأما الانتباذ فهو ابتعاد وانفراد . وقد نسأل : ولم انتبذت ؟ وربما كان السبب أن مريم كانت موقوفة على سدانة الكنيس وخدمته والعبادة فيه ، فإذا أتاها ما يأتي النساء من الحيض ، انتبذت لتطهر ، وربما أنها اختارت أن تكون صومعتها في الكنيس إلى جانب المحراب في شرقيه لتخلو للعبادة ، وكانوا يبنون المحاريب إلى جهة الشرق ، والشرق المكان الذي تشرق منه الشمس ، خصّوا العبادة بالشرق لأنهم كانوا يعظّمون جهة المشرق من حيث تطلع الأنوار ، والجهات الشرقية عندهم هي أفضل الجهات ، ويؤثرونها على غيرها ، ولمّا حضروا إلى مصر اختار لهم يوسف الإقليم الشرقي مقاما لهم ، وهو محافظة الشرقية الآن ، وكان اسمها من قديم أرض جاسان ، وعاصمتها تانيس أو أفاريس . والهكسوس اختاروا الشرقية لمقامهم كذلك لأنهم ساميون مثل العبرانيين ، والتفكير السامي يؤثر الشرق في كل شئ ، وكل أحداث قصة موسى مع الفرعون جرت في الشرقية وليس في منف . وروى عن ابن عباس أنه قال : إني لأعلم الناس لم اتخذ النصارى المشرق قبلة ؟ لقول اللّه عزّ وجلّ :
إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا
( 16 ) . والأمر كان أكبر من ذلك ، لأن السؤال يظل كما هو لم يردّ عليه ابن عباس : فلم اختارت مريم الجهة الشرقية ؟ والجواب في التراث العبراني ، وهو إيثارهم جهة الشرق وأن تكون محاريبهم إلى الشرق . وقال ابن عباس : لو كان شئ من الأرض خيرا من المشرق لوضعت مريم عيسى عليه السلام فيه ، وهذا صحيح . وهذا المكان الشرقي يقول فيه إنجيل لوقا ، الفصل الأول ، إنه الهيكل ، ومن عادة الكهنوت أن يدخلوه للتبخير ، وفي ذلك الوقت كان جمهور الشعب يصلى خارجا ، وفيه ظهر ملاك الربّ لزكريا واقفا عن يمين مذبح البخور . غير أن لوقا لا يقول إن مريم ظهر لها جبريل في المحراب ، ولا نعرف من الأناجيل ، بخلاف القرآن ، أين ظهر لها ؟ وهذا من الفروق بين قصة القرآن وقصص الأناجيل . * * *